طارق الدويرى.. مغامر زاده الجرأة

من بين أحد أهم المكرمين فى المهرجان التجريبى هذا العام يبرز اسم طارق الدويرى كأحد أكثر المخرجين المصريين والعالميين المهمومين بطرح قضايا الإنسانية والعقل والتفكير، بعيدًا عن كل المسلمات والأطر التقليدية.
عرفت طارق الدويرى عن قرب لأول مرة خلال أزمة تأجيل إنتاج عرضه «المحاكمة» على المسرح القومى لأكثر من مرة ودون أسباب واضحة، ولمست فيه مبدعًا مقاتلاً لا يتنازل عن أفكاره ورؤاه الإبداعية مهما كلفه ذلك من وقت وبروفات، وكانت النتيجة فى هذه الواقعة نجاحًا ساحقًا لعرض المحاكمة وجوائز كثيرة، ومباراة تمثيلية شديدة الرقى بين الراحل أشرف عبدالغفور وأحمد فؤاد سليم فترة، ثم د. سامى عبدالحليم فى فترة أخرى.
منذ بداياته الأولى فى مسارح جامعة عين شمس خلال ثمانينيات القرن الماضي، اختار طارق الدويرى أن يتعامل مع المسرح باعتباره سؤالاً لا ينتهي، وبين عامى 1984 و1989، كانت تجربته الجامعية المعمل الأول الذى تشكلت داخله ملامح فنان سيصبح لاحقًا أحد أصحاب التجارب الخاصة فى المسرح المصري؛ مخرجًا وكاتبًا وممثلاً لا يتوقف عن اختبار حدود العلاقة بين الجسد والأداء والصورة والنص.
تخرج الدويرى فى كلية الآداب، قسم المسرح، تخصص التمثيل والإخراج، ثم واصل رحلته داخل المسرح القومي، لكن تجربته لم تنحصر فى الأطر التقليدية للإنتاج المسرحي، فانحاز إلى البحث والتجريب، وإلى فكرة أن العرض المسرحى يمكن أن يولد من داخل الممثل بقدر ما يولد من النص، وأن عملية صناعة العرض نفسها يمكن أن تكون رحلة اكتشاف جماعية.
من هنا تبلورت منهجيته التى تقوم على الارتجال وورش إعداد الممثل، فيتعامل مع الممثل باعتباره شريكًا أساسيًا فى صياغة العرض، وفى هذا السياق أسس فرقة «جماعة المَخْبر» المسرحية المستقلة، لتكون فضاءً للبحث الحر والمغامرة بعيدًا عن المألوف.
ولعل أهم ما يميز تجربة الدويرى أن التجريب لديه لم يكن بحثًا عن الغرابة الشكلية، وإنما محاولة مستمرة لإعادة اكتشاف أدوات المسرح، لذلك تنوعت عروضه بين الاعتماد على الجسد والحركة والارتجال والدراماتورجيا، وظل الممثل فى قلب هذه التجربة كأداة التعبير الأولى.
وجاءت جائزة الدولة التشجيعية عام 2006 عن إخراجه لعرض «زمن الطاعون» لتؤكد القيمة الفنية لهذه الرحلة، قبل أن يمثل العرض مصر فى مهرجان ليالى قرطاج بتونس، وفى العام نفسه قدم «حفلات التوقف عن الغناء»، ثم واصل مغامراته مع عروض حملت بصمته الخاصة، من بينها «الموقف الثالث»، الذى افتتح به المهرجان القومى للمسرح عام 2007، و»الجراد» عام 2009، و»بلاد أضيق من الحب» عام 2010.
ومع كل تجربة جديدة، كان الدويرى يذهب خطوة أبعد فى مساءلة الشكل المسرحي، ففى «المحاكمة» عام 2014، حصد خمس جوائز فى المهرجان القومى للمسرح، من بينها أفضل عرض وأفضل مخرج، وبدا واضحًا أن مشروعه أثبت حضورًا فنيًا قادرًا على المنافسة داخل أهم محافل المسرح المصري، ثم جاء «الزومبى والخطايا العشر» عام 2016 ليحصد ثلاث جوائز، ويؤكد استمرار هذا المسار.
ولم يتوقف مشروعه عند تلك المحطات؛ إذ واصل الدويرى البحث عن مناطق جديدة فى المسرح، وصولاً إلى «المسيرة الوهمية للتفاهة» عام 2021، ثم «وقال عبد ربه التائه» عام 2023، فى تجارب تكشف عن انشغاله الدائم بأسئلة الإنسان والوجود والواقع، ورغبته فى تحرير العرض من أسر الشكل الواحد. أثبت الدويرى أيضًا بصمته كممثل حين حصل عام 2013 على جائزة أفضل ممثل دور أول بالمهرجان القومى للمسرح المصرى عن دوره فى «عدو الشعب»، ليؤكد أنه ممثل بعقلية مخرج.
واليوم، ومع استعداده لإصدار ديوانه الشعرى الأول «العشق والثورة والعدم»، يبدو أن الدائرة الإبداعية تتسع أكثر، لتؤكد أن نوافذ المسرح لديه مفتوحة على كل الفنون.
الأهرام



