كيف يروي القصب حكاية المسرح؟

نقف عند مخرجٍ مسرحي اختلفت تجاربه عمّن سبقه في الإخراج، وتميّزت عن تجارب مجايليه من المخرجين، ألا وهو المخرج صلاح القصب (1945_2026م)، الذي أضاف إلى المسرح العراقي بُعداً جديداً، ليس في أسلوب عروضه المسرحية فحسب، بل في تنظيره لهذه العروض التي أطلق عليها تسمية (مسرح الصورة).
ومسرح الصورة عند (القصب) ليس مسرحاً بلا كلمة، ولا فعلاً فسيولوجياً من دون لفظ، وإنما هو القدرة على خلق الصورة الشعرية الميتافيزيقية، وبناء الإيحاءات ذات العمق الدلالي. فالنص – في رؤيته- إنتاج فكري ينتمي إلى زمن مضى، وعلينا أن نستحضره إلى زماننا بحيث يبدو قريباً منا؛ فهو، بوصفه خامة أولية، مادة ميتة لا نبض فيها، متحجرة في الزمن، ولابد لها من أن تتحرك، وأن تستحضر الأرواح الهائلة الساكنة في هذا الأثير الأزلي.
والتجريب عند (القصب) هو سحر كوني يحاكي الروح تحت وطأة الجسد؛ إنه طقس قدسي سري تسبح فيه المخيلة باستمرار، ليل نهار. إنه فضاء أثيري، ورواق مفتوح على المجهول، لا ينتمي إلى معمارية الهندسة وخرائطها، بل هو سر، وهو الجنون والخوف والفجيعة.
وقد ازداد اهتمام القصب بالشكل، لا على حساب الكلمة بقدر ما هو بحث عن مضمون خاص بلحظة العرض، يرتبط بخزين الذاكرة الحية لدى المنتج الفني، أي الممثل. فالمسرح – في تجربته- فضاء لا متناهٍ، تتوالد داخله الصور وتتداخل الأزمنة والذاكرة والمخيلة.
وفي تجربته (حفلة الماس) أكد (القصب) – في مرحلة جديدة من اشتغاله- أن العالم قد وصل إلى نهاياته، وأنه مقبل على كارثة مروعة. كل شيء في مسرحه عائم وهائم بلا هدف محدد، وتتداخل الصور والتكوينات لتشكل فضاءات عرض متغايرة ومشتتة، أشبه بصور الذاكرة المهمشة لحظة استعدادها للحلم. وكانت التجربة الأكثر إيغالاً في الشكل، من دون أن يكون ذلك على حساب المضمون؛ إذ احتوى العرض على لا مكانية المكان، الذي يعمل بوصفه محفزاً لمستودعات الذاكرة وتداعيات المخيلة لدى المتلقي.
إن صور الحلم عند القصب هي الوحدات التفجيرية التي تمنح الفضاء لغته المرئية الخالصة؛ صيغ بلاغية بصرية تعتمد التحويل والتوليد الدلالي. رؤوس وأرجل وأيدٍ تعزف سيمفونية (أحزان مهرج السيرك)، في مشهد يختزل الكثير من هواجس الإنسان وقلقه الوجودي.
أما تجربته في (عزلة في الكريستال)، فقد قامت على لعبة التدمير المستمر؛ فالصورة تدمر الصورة، والتهديم والبناء كانا المحور الأساسي الذي تبناه القصب في هذا العمل، بدءاً من إعادة قراءة النص وانتهاءً بصورة العرض المسرحي. إلا أن براعة المخرج وإثارته للدهشة من خلال الصور الحية المتحركة جعلتاه ينحاز انحيازاً كاملاً إلى كسر السكون، فضلاً عن ملء الفضاء بعناصر صورية متنافرة، تتجاور وتتقاطع لتنتج جمالياتها الخاصة.
بيد أن المعالجات الصورية للنصوص الشكسبيرية لدى القصب لم تكن نظاماً تواصلياً يهدف إلى إنتاج معنى واحد، بل كانت تحتفظ بزمن متحرك للذاكرتين: ذاكرة المنتج وذاكرة المتلقي. ومن خلال ذلك، تنقل حالة التواصل المسرحي، بمستوياتها المتعددة، إلى عوالم الفلسفة. إنه نظام لا ينقل المعنى النصي السطحي والمباشر، بل يولد الغموض في الصورة وعلاقاتها، لينتج معنى يقود بدوره إلى مزيد من التأويل والغموض.
ومن الجدير بالذكر أن تجربة القصب في (هاملت) بدت، آنذاك، للبعض في الوسط المسرحي موضع شك واتهام، بل وسخرية وتهكم وتندر، أما في (مكبث) قد تمثلت المعالجة الإخراجية في أنه لم يسعَ إلى تجسيد النص حرفياً، بل راح يبحث في النص نفسه عن إشارات ورموز ومناطق خفية تمتلك فعالية التأويل، ليعيد صياغته، ويحدث فيه فجوات، ويبحث في أعماقه عن مناطق قابلة للتفجير الدلالي.
هكذا كان (صلاح القصب) مخرجاً لا يكتفي بقراءة النص، بل يحاول اختراقه، وتفكيك بنيته، وإعادة تشكيله بصرياً وفلسفياً. وكان المسرح لديه فضاءً للحلم بقدر ما هو فضاء للقلق، ومجالاً لاختبار حدود الصورة والذاكرة والجسد والمخيلة.
ويبقى (القصب) رائداً لمسرح الصورة، وأحد أبرز الذين أسسوا لهذا الاتجاه في المسرح العراقي، وجاء بعده جيل من المسرحيين الذين واصلوا البحث والتجريب في فضاءات الصورة ودلالاتها.
رحم الله (القصب)، ذلك المتفاني والمخلص والنبيل، الذي وهب المسرح العراقي الكثير من روحه وحلمه، وستبقى ذكراه عطرة في ذاكرة المسرح العراقي، وفي ذاكرة كل من عرف تجربته ولامس عوالمها، ما بقي للمسرح حلمٌ يُروى وصورةٌ لا تنطفئ.
المصدر / صلاح القصب: مسرح الصورة بين النظرية والتطبيق ، (الدوحة : المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث ، 2003م).
ا.د. عامر صباح المرزوك – الصباح الثقافي



