أخبار مسرحية

د. سيد على إسماعيل أستاذ الأدب المسرحى: «أزمــة المســرح» عبارة مفتعلة

  • «السوشيال ميديا» انحرفت بالنقد إلى المجاملة.. وأحيانا نحو الابتزاز
  • الجمهور فى الشام رفض الريحانى واتهمه بأنه «كشكش بك المزيف»
  •  لا يجوز الاعتماد على مذكرات الفنانين فى التوثيق دون  سند تاريخى 

«جبرتى المسرح العربي» لقب أطلقته عليه الكاتبة المسرحية «صفاء البيلي» منذ سنوات طويلة، ومع انتشار كتاباته وأنشطته، استحسنه الجميع فاعتمدوه فى كتاباتهم عنه، حيث يعد د. سيد على إسماعيل أستاذ الأدب المسرحى من المخلصين لمنهجه البحثى والتاريخى فى مجال المسرح. ألف د. سيد إسماعيل أكثر من 62 كتابا، وله عشرات الدراسات والمقالات، وكتب عن أعلام من رواد المسرح لم يلتفت إليهم الدارسون.

فى حواره قال: «البحث العلمى لا يضع فى حسبانه ما يستقر فى أذهان الناس ووجدانهم، لأن المهم عنده هو الحقيقة، حتى لو لم تلقَ قبول الجماهير»، كما أكد أن الاعتماد على المذكرات الشخصية للفنانين فى إطار التأريخ للمسرح المصرى ممكن ولكن بشروط، وأن عبارة «أن المسرح فى أزمة» عبارة مفتعلة، يُراد بها إيجاد شماعة لنعلق عليها قصورنا.. وإلى نص الحوار.

لديك مشروع يقوم على «كتابة ما لا يكتبه أحد ونشر ما لا ينشره أحد»، فهل استطعت تحقيقه؟

حتى الآن حققته بنجاح كبير، فقد قدمت للمكتبة العربية 62 كتابا، إضافة إلى عشرات البحوث والدراسات، وأتمنى استمرارى متمسكا به، رغم صعوبة ذلك مع مرور الزمن، والسر فى هذا المشروع أننى لا أعتمد على كتابات السابقين، بل أكتب من واقع الوثائق غير المنشورة، والدوريات التى توثق الأحداث فى وقتها.

هل يمكن الاعتماد على المذكرات الشخصية للفنانين فى إطار التأريخ للمسرح المصري؟

ممكن طبعا، ولكن بحرص شديد ووفق شروط صارمة من التدقيق، بمعنى أن يكون الاعتماد عليها بنسبة بسيطة، وأن ننقل من المذكرات ما هو منطقى ومقبول عقليا وتاريخيا، ولا يجوز الاعتماد على المذكرات فقط دون أى سند تاريخى أو وجود وثائق تؤيد أو تتسق مع المذكرات. فعلى سبيل المثال، لا يجوز أن أعتمد مذكرات فنان ما، ثم أعود إلى زمنه فلا أجد شيئا موثقا يثبت ما ذكره فى مذكراته.

كيف تفصل فى نسبة عمل فنى إلى صاحبه، فشخصية مثل كشكش بك يعلم الجميع أنها شخصية نجيب الريحانى، ولكن قدمها أمين عطا الله فى الشام؟

هذا يرجع إلى خبرة المؤرخ أو الناقد، وبالنسبة لشخصية مثل «كشكش بك»، نجد أن أمين عطا الله كان أول من قدمها فى الشام، حيث أخذ الشخصية من الريحانى واستخدمها هناك قبل أن يسافر الريحانى إلى الشام. ومن الطريف أن الريحانى عندما سافر إلى الشام فى عشرينيات القرن الماضى رفضه الجمهور الشامى واتهمه بأنه «كشكش بك المزيف»، لأن أمين عطا الله هو كشكش بك الحقيقي!! وهذا الأمر أوضحته بإسهاب فى كتابى «المسرح فى فلسطين قبل النكبة».

أثبتَّ أن رائد النص المسرحى المنشور فى العالم العربى هو الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى، حيث ترجم فصلا مسرحيا نشره فى مطبعة بولاق عن المسرح اليونانى عام 1833، ونشر فى المطبعة نفسها فصلا مسرحيا مؤلفا عن مشاهداته للمسرح الفرنسى عام 1834، كما نشر ترجمة عربية لمسرحية (هيلانة الجميلة) الفرنسية عام 1868، وذكرت أنها أقدم مسرحية عربية منشورة مكتشفة حتى الآن. فهل يغير هذا الطرح من الأوليات التى استقرت بالأذهان فيما يتعلق بنشأة المسرح العربي؟

البحث العلمى لا يضع فى حسبانه ما يستقر فى أذهان الناس ووجدانهم، لأن المهم عنده هو الحقيقة التى يثبتها، حتى لو لم تلقَ قبول الجماهير ولو بعد موت الباحث نفسه. وخير شاهد على ذلك ريادة المسرح المصرى التى ظلت ثابتة طوال أكثر من سبعين سنة، فقمت بتغييرها منذ 25 سنة، ولم يستطع أى باحث حتى الآن أن يرد على نتائج بحوثى فى هذه الريادة، أو أن يعيد صاحب الريادة القديمة إلى مكانته.

فى كتابك «الرقابة والمسرح والمرفوض (1923-1988)» ذكرت أن المسارح كانت موجودة فى مصر قبل عام 1800، وهى مسارح مصرية صميمة لا دخل لها بالفرق الأجنبية، فلماذا لم يتطور هذا المسرح؟

هذه الحقيقة مذكورة فى الجريدة الرسمية الفرنسية التى كانت تصدر أيام الحملة الفرنسية على مصر، والمقصود بها الاحتفالات الدينية والموالد وما يُقدم فيها من ألعاب شعبية ومظاهر فنية مصرية، لكنها لم تكن مسارح بالمفهوم الحديث.

برأيك، ما الفترة التى شهدت تألق المسرح المصرى وازدهاره؟

جميع الفترات شهدت تألقا مسرحيا وفقا لظروف كل فترة، فمثلا تألق المسرح فى القرن التاسع عشر بفضل جهود الخديوى إسماعيل فى بناء المسارح وأماكن الترفيه، مثل الأوبرا الخديوية، والمسرح الفرنسى، ومسرح حديقة الأزبكية، والسيرك. بينما كان تألق المسرح فى عهد الخديو توفيق راجعا إلى اهتمامه باستقدام الفرق المسرحية الشامية.. وهكذا فى باقى الفترات حتى نصل إلى العهد الناصرى وتألق مسرح الستينيات الذى توافرت له كل سبل النجاح والتألق، مثل سلاسل الترجمات المسرحية، وإنشاء المجلس الأعلى للثقافة، وظهور التليفزيون وفرقه المسرحية.. إلخ.

ماذا ينقص المسرح المصرى ليزدهر كما كان؟ هل الأزمة فى النص أم فى الممثل؟ وما رأيك فى الحركة النقدية المواكبة للمسرح؟

كما قلت، المسرح لا يحتاج إلى الازدهار؛ لأنه مزدهر بالفعل، وعبارة «أن المسرح فى أزمة» عبارة مفتعلة، يُراد بها إيجاد شماعة لنعلق عليها قصورنا. فبحكم خبرتى أستطيع أن أذكر لك مائة عنوان لمائة مقال خلال مائة سنة بها عبارة «أزمة المسرح»، ما يعنى أن «أزمة المسرح» موجودة منذ مائة سنة، وهى أزمة تتنوع وتتغير حسب رؤية كاتبها، فإذا كان الكاتب مؤلفا سنجده يوجه الأزمة إلى المخرجين وعدم تطور أدواتهم أو سوء فهمهم للنصوص، وإذا كان المخرج هو كاتب المقالة، سنجده يوجه الأزمة إلى المؤلفين الذين لم يواكبوا السبل الحديثة فى الإخراج ليكتبوا ما يناسبها، كذلك الأمر بالنسبة للممثل ومصمم الديكور والموسيقى. . إلخ، فجميعهم يرى الأزمة فى غيره، وربما يكون هو أساس الأزمة التى يكتب عنها.

أما الحركة النقدية الآن، فالله يكون فى عونها، بظهور «السوشيال ميديا» التى انحرفت بالنقد تارة إلى المجاملة وتارة أخرى إلى الهجوم، بل تارة ثالثة نحو الابتزاز، والطامة الكبرى أننا لم نفُق من هذا إلا ويظهر لنا «الذكاء الاصطناعي» الذى سيقلب بل قلب جميع الموازين، ووصل بنا الأمر قبل قراءة النقد كى نحكم عليه هل هو نقد مجامل أم مهاجم أم مبتز.. أن نتأكد أولا أنه نقد بشرى من إنسان، لا نقد مزيف من إنسان آلى اسمه «الذكاء الاصطناعي».

لك كتاب عن محمود مراد رائد المسرح المدرسى، فهل تحققت وصيته فى تطوير واستقرار هذا المسرح؟

محمود مراد كان طموحا وسبق زمنه، فهو أول مبتعث فنى مصرى وعربى إلى أوروبا لدراسة الأنشطة المسرحية والموسيقية فى المدارس والمعاهد الأوروبية، وعاد من بعثته بآمال وطموحات كبيرة، سجلها فى تقرير ضخم قدمه إلى الوزارة عام 1924، والهدف منه إعادة تنظيم مصر موسيقيا ومسرحيا لتصبح فى مصاف الدول الأوروبية المتقدمة، وما جاء فى هذا التقرير تحقق نسبيا على مدى عشرات السنين، ولكن بعد وفاة صاحب التقرير، وقد وثقت رحلة هذا الرائد ونشرت تقريره فى كتابى «محمود مراد رائد المسرح المدرسي».

فى بدايات الحركة المسرحية المصرية، هل كان للمرأة إسهامات ملحوظة مثل الرجل سواء بالتأليف أو التمثيل، خاصة أنك نشرت مسرحية «الملكة بلقيس» للرائدة لطيفة عبد الله؟

المرأة كانت مواكبة للرجل فى تاريخ المسرح المصرى، فأول فرقة مسرحية لبنانية زارت مصر وقدمت عروضها العربية على مسرح زيزينيا بالإسكندرية عام 1876 كانت بها ممثلات لبنانيات، وفى عام 1893 ظهرت الممثلة والكاتبة المسرحية المصرية «لطيفة عبد الله» التى نشرت مسرحيتها «الملكة بلقيس»، وقدمتها فرقة السرور لصاحبها ميخائيل تادرس فى منطقة بولاق بالقاهرة. أما «منيرة المهدية» فكانت أول امرأة تؤلف فرقة مسرحية غنائية مصرية عام 1915.

لديك كتاب بعنوان «الجديد فى نشأة المسرح العربى بمصر»، فهل ثمَّة جديد يمكن إضافته؟

نعم، الجديد هو ظهور وثيقة عام 1871 عبارة عن تقرير يؤكد أن الحكومة المصرية عندما أرادت إنشاء فرقة مسرحية مصرية، قررت التعاقد مع فرقة مسرحية لبنانية، كون لبنان أسبق منا فى ظهور المسرح العربى تمثيلا ونشرا، وذلك من خلال عروض «مارون النقاش» التى مُثلت بداية من عام 1847 فى بيروت، ثم جُمعت نصوصه ونُشرت فى كتاب «أرزة لبنان» عام 1869، الذى كان يباع فى المكتبات المصرية.

يختلط الأمر على الباحثين بين الباحث المسرحى والناقد المسرحى، فما الفرق بينهما؟

الباحث المسرحى صاحب منهج علمى وأيضا صاحب مشروع بحثى – وينطلق من نقاط بحثية، يسعى وراءها ليحقق نتائجه مهما كانت، وهذه النتائج تظل محفوظة ومستخدمة دائما من قبل الباحثين. أما الناقد المسرحى فهو صاحب رؤية وقتية محدودة الزمان والمكان، وفقا لما يراه من عروض مسرحية، ووفقا لموقفه منها، فهناك عروض مسارح الدولة، وهناك عروض المسرح الخاص، وهناك عروض المهرجانات المسرحية، وهى الظاهرة الجديدة المنتشرة على الساحة الآن، وكل نوع من هذه العروض له ناقد معين معروف سلفا موقفه من العروض تبعا لنوعيتها، ومهما كانت كتابات هذا الناقد، تظل كتاباته برَّاقة فى أثناء العرض واستمرار عرضه على خشبة المسرح، ولكن بعد ذلك تصبح هذه الكتابات تراثية، توثق موقف الناقد من العرض، ولا يمكن استخدامها بوصفها نقاطا بحثية، بل معطيات تشهد على زمن العرض وموقف النقاد منه.

تنوعت المجالات التى كتبت بها وشملت بلدانا عربية أخرى وتعددت مؤلفاتك، فكيف توفق بين هذه الكتابات؟

هذا من فضل ربى. . فأنا قبل أن أنتهى من الكتاب، يكون أمامى مادة لكتاب آخر أو كتابين أكتب فيهما فى وقت واحد.

دخلت فى مناظرات داخل مصر وخارجها، فهل المناظرات أضافت للحركة المسرحية؟

أضافت الكثير.. ولكن للأسف.. ما أكثر أعداء النجاح ممن يحاولون عدم إبراز النتائج المهمة والمؤثرة لهذه المناظرات.

حسين السيد – الأهرام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!