أخبار مسرحية

“كيما اليوم”.. مجهر ليلى طوبال الذي يفحص أوجاع البشرية

عندما تتحول الخشبة إلى متاهة وجودية تبحث عن خلاص الإنسان.

في عملها المسرحي “كيما اليوم”، تؤكد المخرجة التونسية ليلى طوبال مجددا أن المسرح عندها ليس مجرد استعراض جمالي، بل هو فعل مقاومة ومنصة نضالية، حيث تحول خشبة المسرح إلى مشرحة تفكك فيها زيف النمطية الاجتماعية ومرارة الواقع العربي، لتقدم نداء شعريا يدعو الإنسان للاختيار بين الانحياز لإنسانيته أو السقوط في فخ الوحشية والنسيان.

“كيما اليوم” عرض مسرحي تسجل به الممثلة والمخرجة المسرحية التونسية ليلى طوبال حضورها ضمن المسرح التونسي والعربي، فبعد العديد من العروض السابقة، قدمته رفقة فريق عملها ضمن فعاليات الدورة السادسة عشر لمهرجان المسرح العربي، دورة القاهرة، وهي تستفز مشاهدي العمل للتفكير في الحياة والموت، حال البشرية اليوم، وتثير فيه تساؤلات كثيرة تنطلق من الذاتي إلى الجمعي.

المسرحية هي ثمرة إنتاج مشترك بين المسرح الوطني التونسي وشركة “الفن مقاومة”. وقد حمل هذا العمل توقيع الفنانة ليلى طوبال في الكتابة والإخراج والسينوغرافيا، ولجت من خلاله إلى أعماق النفس البشرية، مستعرضة تناقضاتها وأوجاعها في عالم يعج بالأسئلة الوجودية والقضايا الإنسانية.

“كيما اليوم” أو بتعبير عربي فصيح “مثل اليوم” فقد البشر خصوبتهم، وآخر طفلة ولدت وتأمل البشرية في أن تكون استمرارا لهم، ابتلعتها أمنا الأرض، ثائرة على تمرد أبناءها، على بطشهم، لامبالاتهم تجاه ما يحدث، دمويتهم، صراعهم الأزلي من أجل بقاء لن يناله أحد، فالموت مصير محتم على الجميع.

بين طريقين لا ثالث لهما، إما حياة أو فناء، تصرخ فينا ليلى طوبال، “قوموا سلالة الإنسان أعوام معدودات وتنقرض”، لتضعنا في مواجهة بين مجموعة من الممثلين، يتحركون في فضاء الخشبة، كل يعبر عن نفسه، صراعه الذاتي، حكايته، مخاوفه، ورغبته الأزلية في البقاء ولو على حساب غيره، وكل واحد منهم هو انعكاس لأنا وأنت، هي وهو، انعكاس لأي واحد فينا، إن لم ننخرط في الشر، “بعدنا عنه وغنينا” كما يقول المثل الشهير “ابعد عن الشر وغنيله”، لكن هذا البعد أو الصمت قد ينجينا مرة لكنه لن ينجينا كل مرة، فالأرض امتلأت بالشرور حتى كادت تلفظنا جميعا، كما حدث في المسرحية، لتحتفظ بطفل بريء ربما يكون فيه نجاته ونجاتها.

بين طريقين لا ثالث لهما تصرخ فينا ليلى طوبال، “قوموا سلالة الإنسان أعوام معدودات وتنقرض”

دنيا، هي الطفلة الصغيرة، بطلة العرض كما رأيتها، الأميرة التي ترتدي ثوبا أبيضا نقيا، لكنها تخاطب البشر الذين يفصلهم عنها جدار، لتكشف عوراتهم، لتقول لهم إنهم “كيما اليوم” أصبحوا بلا قلب وبلا روح، أنهم يكررون سردية روتينية مملة، يمارسون النمطية بنفس راضية وقنوعة، يتزوجون بالطرق ذاتها، لينجبوا أطفالا ويربونهم بالطريقة ذاتها، ويملئون الأرض بشاعة لم تعد تحتمل.

والنمطية في المجتمع لا تقف عند باب الأسرة، بل تتجاوزه لتصل المدرسة ذاك الفضاء الذي أصبح أشبه بـ”مفرخة”، تخلق ذات الأجيال الضعيفة، أجيالا بلا كرامة، محبطة، “تتناول” المعلومات التي تحشى بها أدمغتها لـ”تتقيأها” على ورق الامتحان علها تنجح، سنة تلو الأخرى، حتى تكبر، فتعمل في وظائف نمطية وتؤسس أسرا نمطية وتكرر ذات السردية، لكنها تكشر عن أنيابها، وتسير في أرض محكومة بغريزة البقاء.

“ثنية (طريق) الكرامة والخبز طويلة وسومها عالي”، ذلك ما يدركه جميع البشر، في شرق الأرض أو مغربها، شمالها أو جنوبها. صحيح أن طريق الحياة سريع وقصير مهما طال، لكننا ونحن نسيره يشعر أغلبنا أنه طريق شاق وطويل، ما بالك لو كان هذا الطريق يسيره إنسان لا يفاوض على كرامته ولقمة عيشه، لا يتلون ليرضي أحدا، بل يسعى للعيش عزيزا، حرا، وكريما. في عالمنا اليوم، بالتأكيد سيكون طريقه صعبا وطويلا وسعره باهظ جدا.

“ولدنا جميعا كي نموت في الآخر”، هذا ما تذكرنا به ليلى طوبال عبر نص المسرحية الذي يأتي أشبه بنص شعري وشاعري، محملا بالترميز، مارا على التاريخ والجغرافيا والعلوم السياسية والاجتماعية والمنظومات الثقافية وحتى الأنظمة الصحية والقضائية، نص مثقل بذكرى الكثير من النساء الأموات في عالمنا العربي، ذكرى أروى صالح وسارة حجازي وداليدا وأخريات، إنها تمر على ذكراهن ثائرة كعادتها، منتصرة لكل الحقوق الكونية، لكل الحريات الإنسانية، لكل من يحبون الحياة ويدركون جمالها ويريدون أن يتشبثوا بها إلى آخر رمق. إنهم لا يستعجلون العيش كالأموات، مدركين أن الموت قادم لا محالة، فما ضير أن يحيى الإنسان بحرية، كما هو، دون أن يكون نسخة مكررة، مملة، تنساها الحياة بمجرد أن تغادر.

بيسان، أوركيدا، جنات.. هن نساء ليلى طوبال في هذا العرض المسرحي، صوتها الذي ينطق ويصرخ بما تخجل أن تصرخ به نساء غيرها، كل واحدة وحكايتها، لكنهن جميعهن مضطهدات، أجلت أحلامهن، وتخلين عن هوياتهن، وذبن ضمن سردية مجتمعية تتحكم فيهن، سواء أدركن ذلك قبل وصولهن إلى اللحظة الراهنة، أم أدركن ذلك بعد أن أصبح الفناء شبحا يلاحقهن دون أن يتخفى، وأملهن في البقاء هي الطفلة الصغيرة “دنيا”.

وتبدو دنيا هنا أكثر من مجرد طفلة، إنها دنيانا جميعا، صغيرة مهما كبرت، بريئة مهما لوثتها الشرور، دنيانا الجميلة التي نحبها، نحلم بها، نسعى إليها، دنيانا التي جئناها من آباء وأمهات حلموا بحياة هنيئة، أو ربما جاءها البعض كما جاءت دنيا الطفلة في المسرحية، في ظروف سيئة، وتخلى عنه الأهل وتركوه يواجه لغزا غامضا اسمه الحياة، لم يتحملوا عناء تعليمه كيف يواجهه، أو على الأقل منحوه “كتالوجا” يفك له شيفرات هذا العام المعقد المليء بالبشر المتلونين.

تلقي علينا ليلى طوبال في هذا العمل المسرحي نداء للحياة “لازم تختاروا ثنيتكم يا تكونوا مع الإنسانية يا تكونوا مع الوحشية.. عيشوا كل لحظة في حياتكم كأنها الأولى وكأنها الأخيرة.. الحياة تمنحك فرصة واحدة للعيش.. ما تسمحوش لحد يفكلكم باء الحب.. كيما اليوم نوفاو ولا يبقى منا غير الكتاب.. كيما اليوم نتولدو مرة برك (واحدة) وكيما اليوم نموتو مرة برك..يا نعيشوا يا نعيشوا”.

هذا النص الشعري الذي اعتمدته طوبال، جاء بلهجة تونسية بيضاء، محملا برموز ومعاني وصور ثرية، لينقل المشاعر العميقة للشخصيات ويلامس قضايا كونية. نص يذكرنا بالمتاهات المتشابكة التي ندخلها طوال الحياة، ببحثنا الأزلي عن سر الوجود، تتعمق قوته داخل العمل المسرحي عبر الديكور والسينوغرافيا، حيث صممت المخرجة مساحة العرض، ليكون أشبه بمتاهة معقدة تخلق حالة من الغموض والارتباك، عززتها باللعب المتقن بالإضاءة، والمزج بين ثنائيات لونية متباينة لكنها متكاملة، ترمز للحياة والموت، وتراوح فيها بين الضوء والظلام، لتعكس حالات التوتر والاضطراب والتمزق الداخلي للشخصيات التي تبدو معلقة بين الأمل واليأس، بين الحقيقة والجهل، بين الحياة والفناء.

دنيا هنا أكثر من مجرد طفلة، إنها دنيانا جميعا، صغيرة مهما كبرت، بريئة مهما لوثتها الشرور

الموسيقى التي ألفها مهدي الطرابلسي جاءت هي الأخرى لتترك بصمتها في العرض، حيث أدت بعض مقاطعها عبير دربال بإحساس مرهف، لتكون خلفية حية تؤجج لحظات التوتر والخوف والأمل والغضب، وكل ما عاشته الممثلات على الخشبة. والممثلات جميعهن أبدين أداء متمكنا من شخصياتهن، وإن كان متفاوتا من حيث الإقناع وسهولة الحركة داخل الفضاء، ووضوح الصوت ومخارج الحروف، إلا أن أداءهن متكامل، يقدم صورة عن الحياة، صورة أقرب للواقع، فهو تفاوت شبيه بتفاوتنا جميعا داخل هذه المتاهة التي تسمى “دنيا”.

يضم فريق التمثيل كلا من مايا سعيدان وأصالة نجار ودينا وسلاتي وفاتن شرودي وخديجة محجوب وأسامة شيخاوي. كما يشارك في العمل عدد من المختصين في الجوانب التقنية هم فاتن جوادي المكلفة بالإنتاج وأمان نصيري مساعدة مخرجة وعمار لطيفي في تصميم الكوريغرافيا. أما تصميم الإضاءة فيشرف عليه صبري العتروس والهندسة الصوتية لمحمد هادي بلخير، مع مساهمة محمد بدر بن علي في تقنيات المابينغ، وتصميم الملابس لمروى منصوري والتصميم الغرافيكي لسيف الله قاسم والتنسيق الإعلامي لهند تقية.

وتُعد الفنانة ليلى طوبال واحدة من أبرز أعمدة المسرح التونسي المعاصر، وصوتا نضاليا سخر الخشبة لمواجهة قضايا شائكة، تنطلق من مواضيع محلية تونسية إلى فضاءات أكبر، مكرسة حياتها للفن الذي لا يهادن السلطة ولا يتبنى التقاليد البالية.

وهي في هذا العمل المسرحي تواصل حفر مسيرة مسرحية نسائية مميزة ومختلفة، خاضت فيها صنوفا من المسرح، كلها تدور في فلك القضايا والحريات، وبعد “سلوان” و”حورية”، اللواتي خاضتهن كتجارب مونودراما، هي اليوم تبتعد قليلا لتسقط جسدها وصوتها على أجساد أخرى، تحمل جميعها الرسالة ذاتها، أنه “كيما اليوم” هناك امرأة قدمت قراءة مسرحية لمسألة الوجود، للحياة، للحروب، للنمطية، لحتمية النهاية، مذكرة الإنسان بأن العودة إلى الأخلاق والسلم ممكنة وأن الطريق إلى الخير والسلام يبدأ من داخل كل فرد.

حنان مبروك – صحيفة العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!