اليوم الإماراتي للمسرح

اليوم الإماراتي للمسرح… عندما تتحول الخشبة إلى ذاكرة وطن

ليس الثاني من يوليو مجرد تاريخ على أجندة المسرحيين في دولة الإمارات العربية المتحدة، بل هو محطة وطنية وثقافية تتجدد فيها ذاكرة المسرح الإماراتي، وتُستعاد خلالها رحلة طويلة من الإبداع والعطاء، ويُجدد المسرحيون عهدهم مع «أبو الفنون» بوصفه أحد أهم روافد الثقافة الوطنية وأبرز أدوات بناء الإنسان وصناعة الوعي.

ومنذ أن اعتمدت الجمعية العمومية لجمعية المسرحيين هذا اليوم مناسبة سنوية للاحتفاء بالمسرح الإماراتي، متزامناً مع يوم ميلاد صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة، اكتسبت المناسبة بعداً يتجاوز الاحتفاء السنوي، لتصبح تعبيراً عن الوفاء لرؤية ثقافية استثنائية جعلت من المسرح مشروعاً حضارياً متكاملاً، ومن الثقافة استثماراً استراتيجياً في الإنسان.

ولعل ما يميز التجربة الإماراتية أن المسرح لم يكن يوماً نشاطاً فنياً معزولاً، بل كان جزءاً أصيلاً من مشروع الدولة الثقافي. فمنذ البدايات، حظي المسرح برعاية مباشرة، ورؤية واضحة، وإيمان راسخ بدوره في ترسيخ قيم الحوار والتسامح والانتماء، وتعزيز الهوية الوطنية، وهو ما انعكس في نمو المؤسسات المسرحية، وتطور المهرجانات، وازدهار حركة التأليف والإخراج والتمثيل، حتى أصبحت الإمارات إحدى أبرز الحاضنات المسرحية في المنطقة العربية.

ويظل اسم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي علامة فارقة في هذه المسيرة؛ ليس بوصفه راعياً للحركة المسرحية فحسب، وإنما باعتباره مفكراً ومؤلفاً مسرحياً أسهم بنصوصه ورؤيته في إثراء المسرح العربي، وفتح أمامه آفاقاً جديدة للتعبير والمعرفة. ومن هنا، فإن الاحتفاء باليوم الإماراتي للمسرح هو في جوهره احتفاء بمشروع ثقافي متكامل استطاع أن يجعل من المسرح مؤسسة للتنوير، لا مجرد وسيلة للترفيه.

واليوم، وبعد عقود من العمل المتواصل، يقف المسرح الإماراتي أمام مرحلة جديدة تتطلب مواصلة التطوير واستثمار التحولات الرقمية، واستقطاب الأجيال الجديدة، وتوسيع قاعدة الجمهور، مع الحفاظ على أصالته ودوره في التعبير عن قضايا المجتمع. فالمسرح الذي استطاع أن يصنع ذاكرة ثقافية وطنية، قادر أيضاً على أن يكون شريكاً في صناعة المستقبل.

وقد جاءت احتفالية اليوم الإماراتي للمسرح 2026، التي أقيمت في قصر الثقافة بالشارقة تحت شعار «عهد ووعد»، لتجسد هذه المعاني، حيث شهدها سمو الشيخ سلطان بن أحمد بن سلطان القاسمي، نائب حاكم الشارقة، وتوج خلالها عدد من رواد المسرح الإماراتي الذين أسهموا في ترسيخ حضوره وإثراء مسيرته، في مشهد يعكس ثقافة الوفاء التي تميز المشهد الثقافي الإماراتي.

إن تكريم الفنانين عيد الفرج، وسعيد عبدالعزيز، وطالب الصوري، لم يكن احتفاءً بأسماء صنعت تاريخ المسرح فحسب، بل كان رسالة إلى الأجيال الجديدة بأن الإبداع الحقيقي هو ذلك الذي يترك أثراً في وجدان المجتمع، وأن المسرح سيظل مدرسة للقيم والجمال والمعرفة.

وفي كلمته خلال الاحتفال، أعاد إسماعيل عبدالله، الأمين العام للهيئة العربية للمسرح ورئيس جمعية المسرحيين، التأكيد على أن المسرح الإماراتي يحمل رسالة وطنية وثقافية تستند إلى رؤية القيادة الرشيدة في بناء الإنسان، وأن الأسرة المسرحية ستبقى وفية لهذه الرسالة، حاملةً قيم الإمارات إلى مختلف المحافل العربية والدولية.

ولعل أجمل ما يميز هذه المناسبة أنها لا تكتفي بالاحتفاء بما تحقق، بل تدعو إلى التفكير فيما هو آتٍ. فالمسرح، بطبيعته، فن يتجدد مع كل جيل، ويكتسب قيمته الحقيقية بقدرته على ملامسة الإنسان، وقراءة تحولات المجتمع، وصناعة الأسئلة الكبرى التي تدفع نحو التغيير والإبداع.

ولهذا، فإن اليوم الإماراتي للمسرح ليس مناسبة للاحتفال بالماضي فقط، بل هو وعد متجدد بالمستقبل، وعهد دائم بأن تبقى خشبة المسرح الإماراتي منارة للفكر، ومنبراً للحوار، وفضاءً للإبداع، وشريكاً أساسياً في المشروع الحضاري الذي اختارت دولة الإمارات أن تبنيه بالثقافة قبل كل شيء، وبالإنسان قبل أي شيء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!