أخبار مسرحية

رفيق علي أحمد يروي سيرته ومسار المسرح اللبناني

الممثل الرائد يكشف اسرار رحلته في كتاب "على خشبة الحياة"

ملخص

صدرت حديثاً السيرة المسرحية للممثل والمؤلف والمخرج اللبناني رفيق علي أحمد بعنوان “على خشبة الحياة” (نوفل، 2026). من يحمر الشقيف في جنوب لبنان إلى بيروت، من قرية صغيرة نائية إلى مسرح الحكواتي وأهم العروض اللبنانية والعربية، يسرد رفيق علي أحمد مسيرة فنان ومسرح ووطن.

في ما يناهز 350 صفحة يوثق رفيق علي أحمد سيرته الشخصية وسيرة المسرح اللبناني على مدار أربعين عاماً. محطات مسرحية ومحطات من تاريخ لبنان ومن تاريخ المنطقة تتداخل لتروي سيرة هذا الممثل والمؤلف والمخرج الذي عرف عمالقة المسرح اللبناني وعمل معهم. من علاقته بيعقوب الشدراوي وروجيه عساف فمنصور الرحابني وأبتائه وغيرهم كثر من أبرز وجوه المسرح اللبناني، من لقائه بالرئيس رفيق الحريري والرئيس الياس الهراوي وغيرهما، تأتي هذه السيرة شهادة ووثيقة قيمة وانعكاساً لعالم المسرح اللبناني وكواليسه وجمهوره والقيمين عليه في سنواته الذهبية.

يختار رفيق علي أحمد أن يقسم نصه إلى 16 قسماً يركز في بدايتها على عنصر المكان. فيتضح دور الجغرافيا الأساسي في النص من حيث صقل شخصية الفنان وتحفيز فنه واختياره للموضوعات التي طرقها في أعماله. ينطلق النص من قسم أول عنوانه “القرية” إلى القسم الثاني وعنوانه “المدينة” في رغبة من صاحب السيرة في توثيق انتقاله من الريف الجنوبي إلى عالم بيروت الشيق والغريب والمتوهج في مخيلة الشاب الفتي الذي كانه، فيكتب: “أنا مدين لقريتي يحمر الشقيف في جنوب لبنان بما صرتُ عليه في بيروت، قريتي النائية والوادعة عند أسفل الهضبة التي تقع عليها قلعة الشقيف التاريخية، حيث يميل مجرى نهر الليطاني نحو الغرب. (…) كان حلمي مشوشاً، غير واضح، لم أجرؤ على التفكير في أنني قد ألتقي بأحدهم يوماً. أنا ابن هذه البيئة الفلاحية والقرية النائية التي لا يمر فيها أو يأتي إليها إلا قاصدها. “لكن تؤخذ الدنيا غلاباً”.”

يؤدي المكان دوراً مهماً في بداية سيرة رفيق علي أحمد وانطلاقته إنما أيضاً طيلة حياته، فهو ظل دوماً الممثل والمؤلف الشيعي الجنوبي الذي أثرت فيه حروب الجنوب وقرى الجنوب وقصص الجنوب بنسائه وأطفاله ورجاله. يحمل رفيق علي أحمد الجنوب في قلبه وعلى وجهه وبلكنته طيلة مسيرته ليتحول إلى حكواتي هذه البقعة من العالم التي عانت وخسرت ولم تركع.

يرافق القارئ الشاب الفتي الخجول الذي كانه رفيق علي أحمد في مسيرة اكتشافه موهبته. يرافقه في توتره وخوفه وخجله ولحظات تردده وشكه في ذاته. يذهب معه إلى النبطية ومعهد الفنون فأهم مسارح لبنان. والجميل في هذه السيرة أن الصراحة والعفوية والأسلوب الإنساني السلس والمفعم بالمشاعر الطيبة هي التي تطغى. لا يخجل رفيق علي أحمد بأصوله وعاداته وطرق رؤيته للأمور التي تختلف عما هو متعارف عليه في بيروت. على العكس، يتحول إلى روائي طائفة ومنطقة ووجع إنساني ويحمل الهموم التي ألفها إلى الطوائف الأخرى والمناطق الأخرى ليكتشف كأي فنان مبدع أن الهموم والأوجاع والأحزان والخسارات هي واحدة للأطراف كلها.

لقاءات تاريخية

بعد الانطلاق من الأماكن التي طبعته وقولبته ومن الجنوب الذي رافقه وصقله منذ بداية مسيرته الفنية وحياته، ينتقل رفيق علي أحمد إلى تخصيص فصل لكل عمل مسرحي قام به ولكل مغامرة عاشها في خلال سنواته الأربعين على خشبة المسرح. فيقع القارئ على مسرحيات عرفها وشاهدها أو أقله طاولته شهرتها كمثل “الجرس” أو “آخر أيام سقراط” أو “حكم الرعيان” أو “جبران والنبي”. أعمال خالدة يتحدث عن ظروف صناعتها وعن الوجوه التي التقاها وهو يحضر لها. وهذا الدخول في كواليس الأعمال يضفي المزيد من القيمة والجمالية على النص. يضع رفيق علي أحمد بين يدي قارئه خبرته وتجربته وعلاقته بعمالقة المسرح اللبناني واصفاً إياهم وطباعهم وطرق عملهم من دون تزلف ولا تكلف.

والممتع في هذا النص أن القارئ يتعرف إلى الرحابنة مثلاً مع رفيق علي أحمد من دون أن يخفي هذا الأخير غبطته وارتباكه في حضورهم. يكتب رفيق علي أحمد من دون أقنعة ومزاعم: “يا الله! هذا هو. تأكدتُ بعد أن نظرتُ إليه أكثر من مرة. هذا الرأس رأس منصور الرحباني”.

ينقل رفيق علي أحمد مشاعره وارتباكاته من دون فيلتر، وهذه العفوية والبساطة هي التي تمنح النص بريقه، فالابتعاد عن التصنع، ووصف المشاعر كما هي، هو ما يمنح النص مصداقيته وعمقه. والأجمل من هذا كله أن رفيق علي أحمد لم يخسر شخصيته وطباعه ونفسه أمام الصرح الشامخ الذي شكله الرحابنة الذين عمل معهم، فنقل خلافاته معهم واختلاف الرؤى بينه وبينهم وتمسكه بآرائه في أحيان كثيرة.

سيرة المسرح اللبناني

يكتب رفيق علي أحمد لبنان وأهله في سيرته هذه، محولاً سيرته الذاتية إلى سيرة وطن وسيرة مسرح. وتاريخ المسرح الذي يرتبط عموماً بتاريخ البلد، يرتبط في لبنان بتاريخ حروب هذا البلد الصغير، فيصف رفيق علي أحمد الوضع قائلاً: “قلق وخوف دائمان وشعور بعدم الاستقرار والأمان، بسبب حكايات القتل والمجازر والتهجير”.

سنوات طويلة من الحرب الأهلية عاشها رفيق علي أحمد والمسرح اللبناني. حروب صغيرة وثورات وأزمات وتنكيلات وحروب مع إسرائيل وصراعات طوائف كلها أصابت لبنان ومسرحه لدرجة أن رفيق علي أحمد يكتب في سيرته المسرحية: “وقلتُ: ما مر عام ولبنان ليس فيه حرب”.

تتوقف هذه السيرة “على خشبة الحياة” في مواضع كثيرة عند النزاعات اللبنانية وأثرها، يصف رفيق علي أحمد التوتر بين الطوائف، خوفه من التوجه إلى بيروت الشرقية (أي الجزء المسيحي من المدينة) لكونه مسلماً، توجسه من الجمهور المسيحي، خوفه من التلقي الذي سيناله في جونيه معقل القوات اللبنانية. لكن النتيجة تأتي إيجابية في كل مرة، فالخسارة واحدة والموت واحد والفجيعة واحدة في طرفي المدينة كليهما.

المسرح عشق أبدي

يمكن اعتبار هذه السيرة رسالة عشق للمسرح يكتبها رفيق علي أحمد للخشبة اللبنانية هو الذي كان المسرح بالنسبة إليه مطهراً ومنبراً وكرسي اعتراف “للتطهر وإراحة النفس والروح” كما يقول بكلماته. يلاحظ القارئ تمسك رفيق علي أحمد بالتمثيل والتأليف طيلة السيرة، وتظهر جمل كثيرة ترسخ قصة الشغف والعشق هذه، فيرد مثلاً على لسان صاحب السيرة: “قضيتُ أكثر من أربعين عاماً من عمري في المسرح. أصل إليه قبل وقت التمرين بوجد الحبيب واشتياقه للقاء محبوبه، بلهفة أم لإرضاع مولودها بعد غياب”.

لكن الفنان ليس معصوماً عن فقدان الأمل، فيكتب رفيق علي أحمد في أواخر السيرة “انتابني شعور بالإحباط والهزيمة”. توتر واحتقان طائفي وحروب قد تندلع بطريقة اعتباطية وصراع يومي لتأمين معيشة عائلة وبيت وأطفال تجعل أي فنان يحزن وييأس ويغادر أو يعتزل، لكن رفيق علي أحمد ظل يبحث طيلة أربعين عاماً عن وطن وأمان وجمهور عظيم. أربعون عاماً أمضاها في البحث عن مواطنين لبنانيين يقاسمونه حبه للمسرح وللبنان لم تخلُ من لحظات يأس بسبب الحروب الكثيرة التي مرت.

“على خشبة الحياة” سيرة مسرحية وسيرة وطنية تعود بقارئها إلى عمالقة المسرح اللبناني بعفوية وجمالية وقدرة سلسة على القص لا تشوبها شائبة، إنما حبذا لو أورد الكاتب صوراً نثرها بين الفصول والكلمات لتكرس على الورق ما قد يمحوه الزمن وتغدر به الذاكرة.

كاتيا الطويل – إندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!