أخبار مسرحية

“من يرمي الحجر الأول” مسرحية سورية تستعيد محاكمة باخمان

المخرج فادي حواشي والكاتبة ديمة أباظة انطلقا من نص أميركي

ملخص

تستوحي مسرحية “من يرمي الحجر الأول” لمؤلفتها ديمة أباظة ومخرجها فادي حواشي، المحاكمة الشهيرة لأدولف آيخمان (1906-1962) المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، والملقب بـ”مهندس الهولوكوست”.

يواجه المهندس غياث (خالد شباط) اتهامات بتنفيذ عمليات إعدام دموية، توجهها إليه المحامية ريما (جفرا يونس). الرجل الذي يتولى الترافع بنفسه عن جرائمه داخل قاعة محكمة افتراضية، يقول إنه ارتكبها بذريعة الحفاظ على حياته، وكي يعود لرعاية ابنته الوحيدة بعد مقتل زوجته في ظروف غامضة. ومع أن هناك فيديوهات مسربة وثقت عمليات قتل وحشية قام بها المهندس الشاب بضغط من زعيم ميليشيا اختطفت حافلة تُقله مع مجموعة من زملائه، إلا أن غياث يبرر ذلك بأنه كان ينفذ الأوامر، فهو، كما يصف نفسه، لم يكُن “إلا زراً في آلة ميكانيكية عمياء”.

عبارات بطل مسرحية “من يرمي الحجر الأول” لمؤلفتها ديمة أباظة ومخرجها فادي حواشي، تذكّرنا مباشرة بمسرحيات عدة جرت أحداثها داخل قاعة محكمة، واستخدم أبطالها العبارات ذاتها للدفاع عن شناعاتهم، ولا سيما تلك النصوص المشتقة من المحاكمة الشهيرة لأدولف آيخمان (1906-1962) بعد اتهامه هو الآخر بارتكابه جرائم ضد الإنسانية، وقد لقب بـ”مهندس الهولوكوست”.

b2e34a38-6b31-4dd7-a0ca-1e82f4bc62d9.jpg

وبالطبع لا يذكر الفنان فادي حواشي، مثلما لا تذكر كاتبة العرض أنهما استلهما الإطار العام للأحداث من نصوص مسرحية أجنبية أفادت من محاكمة آيخمان، لعل أبرزها مسرحية “النائب” للألماني رولف هوخهوث. وفي هذا العمل تدور الأحداث أيضاً داخل قاعة محكمة، ويواجَه المجرم النازي بمحاضر التحقيق الرسمية وشهادات الضحايا في صيغة أقرب إلى المسرح الوثائقي.

ولعل النص الذي يتقارب بقوة مع النسخة السورية من دراما المحاكم أكثر من النص السابق هو مسرحية “الغراب الأبيض” للكاتب الأميركي دونالد فريد، إذ تدور الأحداث عام 1960 في غرفة استجواب زجاجية، بين أبرز مهندسي “الهولوكوست” وطبيبة نفسية تدعى ميريام باوم. في هذه المواجهة الشرسة تُصر الطبيبة على انتزاع أدنى شعور بالندم من آيخمان، لكن هذا الأخير يصر طوال الوقت أنه كان مجرد موظف ينفذ الأوامر، ولم يكُن يدري أن قطارات الترحيل التي كان يشرف على تسييرها ستنتهي وجهة ركابها إلى أفران الغاز.

قالب المحكمة

الدفاع نفسه يقدمه المتهم السوري، مستخدماً العبارات ذاتها لآيخمان خلال مرافعته أمام القاضي (مجدي المقبل)، بعد أن يُفضِّل غياث أن يدافع عن نفسه ومن دون توكيل محامٍ يترافع عنه، إذ يخبر الشاب هيئة المحكمة أنه صارت لديه الخبرة بالإجراءات والقوانين! مما أخلّ مباشرة بالشرط الفني لطبيعة العرض الذي يحاكي قالب المحكمة، فمن المعروف في القانون السوري أن المتهم بجرائم الجنايات الكبرى مثل القتل، لا يحق له الترافع عن نفسه، بل إن حضور المحامي هنا إلزامي كما تنص عليه المادتان 219 و220 من قانون المحاكمات الجزائية.

الخطأ ذاته ينطبق على شخصية المحامية ريما، إذ لا يجوز قانوناً للمحامية أن تترافع بصفتها المهنية في قضية تكون هي فيها المدعية الشخصية أو صاحبة مصلحة مباشرة مثل قضية مقتل زوجها آدم على يد غياث. فخالف هذا الدور صفتها القانونية الواقعية، ففي حال مقتل الزوج، يعتبر القانون السوري الأرملة من الورثة وأصحاب الحق الشخصي المتضررين من الجرم، ويحق لها الحضور أمام محكمة الجنايات بصفتها “مدعية شخصية” وصاحبة الحق في طلب القصاص والتعويض المدني لا محامية.

هذا الخلل القانوني الواضح في النص جعل الحكم في هذه الحالة باطلاً بطلاناً مطلقاً، ونسف فرضية المحكمة وحصانتها. أما لو أبقت كاتبة “من يرمي الحجر الأول” على شكل الاستجواب الذي استلهمته من مسرحية “الغراب الأبيض” بين متهم وطبيبة نفسية، لكان هذا أكثر واقعية. ومع أن الحوار بين كل من غياث وريما اتخذ طابعاً نفسياً أكثر منه مرافعة قانونية، إلا أن ذلك ربما ما برر لاحقاً تأجيل القاضي للنطق بالحكم في نهاية المسرحية.

وعكس هذا الخيار الفني شللاً في تقديم معالجة درامية حاولت طوال زمن العرض (80 دقيقة) تقليد أسلوب المسرح الوثائقي، فأحالت الجمهور في القاعة المتعددة الاستعمالات (دار أوبرا دمشق) إلى هيئة محلّفين، إذ توجه القاضي في بداية العرض ونهايته إلى الجمهور في محاولة لكسر الجدار الرابع، وإشراك المتفرج في التصويت لتقرير مصير المجرم. وكل هذا بدا تهرباً من صناع العمل من إدانة أي طرف من الأطراف، فلو حكم القاضي بإدانة غياث، لبدا ذلك تبرئة للمنظومة الفاسدة وتحميل الفرد كامل المسؤولية عن أفعاله الرهيبة. أما لو حكم ببراءته، فلكان ذلك نوعاً من تبرير العنف والجريمة تحت ضغط الظروف. فبقيت الإدانة هنا للمجتمع، مما تجلى في عنوان العرض وطريقة تقديم الأحداث.

الخطيئة والحجر

يحيلنا طلب القاضي من الجمهور (هيئة المحلفين) التصويت على الحكم إلى العنوان “من يرمي الحجر الأول” الذي اقتبسه كل من مخرج العرض وكاتبته من عبارة السيد المسيح “من كان منكم بلا خطيئة فليرمِها بحجر”. والعبارة المأخوذة من قصة “المرأة الزانية” في إنجيل يوحنا (الإصحاح الثامن)، تهدينا إلى تسويغ آخر للعنف يأتي هنا في سياق استعارة حادثة تاريخية ذات طابع ديني لمقاربتها كقانون أو كعرف. فالعرض يسوق تحدياً آخر في مصادرة رأي الجمهور بمحاكمة الجاني. العنوان يقول لنا منذ العتبة الأولى، من كان منكم بلا خطيئة فليرمِ غياث بالحجر الأول. وأتى ذلك تحت ذريعة دينية أن لا أحد منا معصوم من ارتكاب الخطايا، وليس استناداً إلى قوانين وضعية.       

ويجيء الخروج عن قالب المسرح الوثائقي في أكثر من موضع من العرض، فالمحامية تستدعي الشهود، جوليا ابنة المتهم (غرام بو فاعور) ورامي (أحمد شعيب الدرويش) زميل المتهم في الوظيفة والمعتقل معه برفقة 25 من موظفي المؤسسة التي يعملان فيها. ويخبر الأخير أن سلوك غياث تبدل بعد تنفيذه أول عملية إعدام أُجبر عليها بحق زوج المحامية. لكنه بعد أن ارتدى زي الميليشيا (لا يذكر اسمها) ووضع شعارها، صار ينفذ عمليات الإعدام بحق آخرين من زملائه بكل سهولة. ويقرر القاضي هنا عرض فيديو مصوّر لإحدى عمليات الإعدام التي قام بها الجاني.

ومن اللافت ملاحظة أن الفيديوهات التي قُدمت في العرض صوّرها كادر العمل (آدم ديب- أنطون أيوب)، مما يخالف مرة تلو مرة الشرط الفني للعرض. فالمسرحية كما يبدو لا تتناول حادثة واقعية بعينها، بل تجعل اسم المؤسسة التي يعمل غياث وريما ورفاقهما لمصلحتها مغفلاً، تماماً كما تحجب اسم الميليشيا التي قامت باختطاف حافلة الموظفين وأجبرتهم على القيام بأعمال السخرة، وجعلت غياث سفاحاً غب الطلب بين صفوفها. وطوال الوقت لا يسمي العرض الأشياء بمسمياتها، بل يناور صناع المسرحية السورية على تعميم النموذج وتجريده في زمان ومكان غير واضحين.

وبالنظر إلى سير المحاكمة، اتهمت ريما غياث بتقديم معلومات للخاطفين سهّلت عملية الاختطاف. وتقول إنها استقت معلوماتها من “وسيط” تخبرنا بعد قليل أنه اختفى، فيما لا يطالب القاضي بمعرفة من هو هذا الوسيط وكيف اختفى! وكلام ريما يفضح فساد المؤسسة التي تعمل لمصلحتها والصمت المريب للمنظمات الإنسانية، مثلما يكشف عن معاملة قاسية عاملت بها ابنة المتهم حين طردتها من بيتها وهي لم تزَل طفلة لم تبلغ التاسعة من عمرها. لكنها تعود لتؤكد أنها هي من قامت بتأمين سيارة أجرة للطفلة أقلّتها إلى بيت جديها لأبيها. وحدث ذلك بعد أن شاهدت الفيديوهات المسربة التي نشرتها الميليشيا على مواقع التواصل الاجتماعي والتي تصوّر فيها عملية إعدام زوجها ووالد أطفالها.

وفي الوقت ذاته يدلي الشاهد الثاني في هذه المحاكمة بشهادته عن سلوك غياث واستمرائه للقتل، فيما يفشي هذا الأخير كيف قام رامي بتصنيع عبوات ناسفة لمصلحة الميليشيا تحت الضغط، وأنه ليس هو الوحيد الذي قام بأعمال قذرة تحت التهديد، بل أي شخص في مكانه كان سيذعن لتنفيذ أي شيء يطلب منه بشرط أن يبقى حياً. وحتى حضور ابنة المتهم تحت قوس المحكمة أسهم في تقديم تبريرات أقوى لمصلحة تقوية موقف القاتل. ولا شك في أن تأجيل القاضي النطق بالحكم لخص كل العيوب البنيوية للعرض، فالمحكمة التي بدأت بخرق القانون (غياب المحامي وترافع أرملة القتيل) واستندت إلى دليل تقني مصنّع (الفيديو الفني)، وغيّبت تفاصيل الجريمة (تبعية كل من الميليشيا والمؤسسة)، كان من الطبيعي والمنطقي جداً أن تنتهي بـالهروب من النطق بالحكم وتأجيله إلى جلسة مقبلة.

وعلى رغم الأخطاء الفادحة في كتابة النص ومحاكاة دراما المحاكم، فإنه لا بد من الإشادة بأداء الممثلين في “من يرمي الحجر الأول”، إذ قدم الممثلون في هذه التجربة جهداً لافتاً في معايشة أدوارهم وتجسيد لحظات من الصدق الفني، لعل أبرزها النوبة العصبية التي جسدتها الممثلة الشابة غرام بو فاعور عندما رفضت أن يُنظر إليها على أنها ضحية لأخطاء والدها.

في المقابل كان الخيار التقشفي في سينوغرافيا العرض (يارا أبو كرم) خياراً مدروساً ومفكراً به لجهة التركيز على نوعية الأداء الذي قدمه كل من خالد شباط وجفرا يونس ومجدي المقبل. فالفضاء الخالي من تكديس قطع الديكور اقتصر على كرسي الاستجواب وطاولة القاضي وكرسيه، فيما حققت الإضاءة (محمد نور درا) خفوتاً متزامناً مع اعترافات الشخصيات وشعورها بالذنب والانقباض وفقدان العدالة. وصُنّعت أجواء قفص الاتهام عبر لعبة ظلال محكمة استغنت عن التجسيد الواقعي المباشر لشكل قفص الاتهام المتداول، في حين قدم المناخ الصوتي (وجد نجار) في هذه التجربة مستوى رمزياً خلال تصوير لحظات الإعدام، عبر دمج أصوات الرياح والأنفاس المتصاعدة في توليفة تركت وقعاً خاصاً على المتلقي.

سامر محمد إسماعيل – إندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!