“كأن شيئاً لم يكن”… عندما تكون الحياة ممكنة مسرحيا
عرض مصري يستعين بنصين للروسي تشيخوف والبريطاني بريستلي

ملخص
قدم المخرج المصري بيشوي عماد، مع فرقة بورسعيد المسرحية، عرض “كأن شيئاً لم يكن” المأخوذ عن نص “في الطريق” للروسي أنطون تشيخوف، و”الوردة والتاج” للبريطاني جي بي بريستلي، فما الذي يجمع الروسي على البريطاني في عرض مصري؟
في فضاء مغاير، بعيداً من مسرح العلبة الإيطالي، قدم المخرج بيشوي عماد، مع فرقة بورسعيد المسرحية، عرضه المسرحي “كأن شيئاً لم يكن” المأخوذ عن قصة “في الطريق” للروسي أنطون تشيخوف (1860-1904) ومسرحية “الوردة والتاج” للبريطاني جي بي بريستلي (1894-1984) دراماتورجيا ميشيل منير.
العرض تم تقديمه ضمن مهرجان التجارب النوعية (هيئة قصور الثقافة – وزارة الثقافة) والغرض من المهرجان، الذي ضم فرقا من محافظات مصر كافة، هو إطلاق خيال المخرجين لتقديم تجارب خارج مسرح العلبة، في فضاءات غير تقليدية، على شاطئ بحر، أو شاطئ مجرى مائي، في حديقة، في ميدان عام، في مقهى، في أي مكان مفتوح وغير مخصص للمسرح أصلاً، وذلك لإتاحة المسرح للجمهور، والتغلب على نقص المسارح في هذه المحافظة أو تلك، فضلاً بالتأكيد عن اختبار قدرات المخرجين في ابتكار أشكال مسرحية جديدة.
ديكور واقعي
في عرض “كأن شيئاً لم يكن” سعى مصمم الديكور (كيرلس ناجي) إلى جعل الجمهور جزءاً من الحدث، وقام بتصميم ما يشبه الخيمة، التي تضم صفين للمقاعد بينهما ممر يتم استخدامه في بعض المشاهد، والصفان المخصصان للجمهور تواجههما منصة للتمثيل، عبارة عن بار في العمق على مستوى مرتفع، ومساحة عن يمينه وأخرى عن يساره، للجلوس أو النوم، بينما المنتصف فارغ لإتاحة مساحة للتمثيل والاستعراض، وذلك كله بخامات تبدو فقيرة، تعكس بؤس الحانة وفقرها الشديد.
ديكور واقعي من جنس العرض، يمنح المشاهد إحساساً بالانقباض، ويسهم في ذوبانه داخل الحالة التي يتم تجسيدها، حيث يصبح جزءاً منها، ومتفاعلاً معها، بخاصة أن الإضاءة، هي الأخرى (شادي عزت) جاءت أكثر قتامة، عبر لمبات تتدلى من أعلى الخيمة، تشبه تلك التي تستخدم في الإضاءة المنزلية العادية، مع إضاءة أخرى محمولة في بعض المشاهد، فضلاً عن مصادر الإضاءة الأمامية، تم استخدامها بدُربة وإتقان، وكذلك بتقشف مقصود، كما لو كنا بصدد المثل الشعبي “الشاطرة تغزل برجل حمار”.
وعلى رغم أن العرض ربما لن يضيره شيء، كما يرى البعض، لو تم تقديمه على مسرح علبة، بخاصة أن وضعية الجمهور في مواجهة منصة التمثيل، لم تختلف عن وضعيته في مسرح العلبة، فقد مثلت تلك الخيمة، التي احتوت الجمهور والعرض معاً، جسرا وحد بين الممثلين والجمهور، الكل على مستوى واحد، وبدا الجمهور ليس جمهوراً، أو بمعنى أدق بدا جزءاً من اللعبة ومشاركاً فيها.
ثقافتان مختلفتان
![]()
ثمة أسباب دفعت الدراماتورج إلى الاعتماد على نصين من ثقافتين مختلفتين، فضلاً عن المسافة الزمنية بينهما، وهي أسباب تبدو مقنعة، حتى إن من لم يقرأ النصين لن يلاحظ فجوات في نص العرض، أو تداخلات غير مبررة، أو مقحمة.
في قصة تشيخوف تدور الأحداث، في ليلة واحدة عاصفة وشديدة المطر، داخل حانة فقيرة وبائسة، يرتادها المتوجهون إلى موسكو، بينما تدور في مسرحية بريستلي، في ليلة واحدة، وداخل حانة أيضاً.
كتب تشيخوف قصته “في الطريق” عام 1886 مصوراً بؤس المجتمع في روسيا القيصرية، وعزلة الإنسان، وضياعه وفقده للأمل، والتشوهات التي أصابته، بينما كتب بريستلي مسرحيته “الوردة والتاج” عقب الحرب العالمية الثانية، مصوراً فيها حال البؤس والإحباط، التي خلفتها الحرب، ورغبة رواد الحانة المحطمين، في الموت، وإن كان الجميع عند لحظة اقتراب الموت، قد شعروا بأن الحياة تستحق أن تُعاش على رغم قسوتها.
لم يعتمد الدراماتورج كثيراً على قصة “الطريق”، وإن أبقى على بعض الشخصيات، وأضاف البعض الآخر من عنده، وغير في الأسماء، واعتمد أكثر على “الوردة والتاج” أو ركز أكثر على الاسئلة التي أراد بريستلي تضمينها نصه، لكن لا بأس، فالكاتب حر، والمهم أن نص العرض بدا متماسكاً، خالياً من الحشو، يعرف هدفه جيداً، ويمس مشاهده المصري، ولو من طرف خفي، فحالات البؤس في روسيا القيصرية، وحالات الإحباط في المجتمع البريطاني عقب الحرب العالمية الثانية، ربما لا تختلف كثيراً عنها في مصر الآن، وإن اختلفت الظروف والأسباب، أي أن العرض لا يضرب في الفراغ، حتى وإن تقنع ليمر.
حياة بائسة
الحياة بائسة نعم، لكنها تستحق أن تُعاش، وإن كنا سنموت حتما، فلنضحك، ولنسرق من الحياة أغنية أخيرة، هذا ما أراد العرض تمريره إلى مشاهده، عبر دراما محكمة، اختارت من النصين ما يعينها على بلوغ هدفها.
يدخل إلى الحانة رجل وامرأة عجوز، الرجل كان ثرياً ثم أفلس، والمرأة فقدت أبناءها الثلاثة في الحرب، وهناك شاب فنان ورفيقته يحلمان بالذهاب إلى موسكو، حيث الحياة الأخرى، كما يظنان، وفتاة مشوهة الوجه، وشخص عربيد، وصاحب الحانة وابنته الصغيرة المريضة.
الملاحظ أن كل الرواد يحملون حقائب متشابهة عبارة عن إطار خشبي فارغ ومفتوح من الجانبين، وهي واحدة من العلامات التي احتشد بها العرض، فلا أحد يملك شيئاً، أو يحمل شيئاً سوى همومه وإحباطاًته، فضلاً عن أن هذا الإطار يتم استخدامه كنافذة، مزودة بإضاءتها الداخلية، في لحظات التوتر التي يفصح فيها كل منهم عن مخاوفه وأحلامه وأسباب تمسكه بالحياة.
يطلب صاحب الحانة من زبائنه تقديم حكاية مسلية لتمضية الوقت، نظير كأس شراب مجاني، وتتوالى الحكايات والمواقف، وإن ظل كل منهم في عزلته، حتى يدخل ذلك الشاب، المريض بالقلب، لكنه مُفعم بالحياة والحيوية، فيضفي على الحانة أجواء من البهجة، يغني ويرقص (أشعار وألحان إبراهيم هيكل) ويدفع تلك العجوز الحزينة، التي رأت فيه ابنها، إلى الرقص والضحك، ويروض ذلك العربيد، حتى صاحب الحانة المستغل، يبدأ في إظهار بعض المرونة مع زبائنه، ويجمع كل ما يملك لإرسال طفلته المريضة للعلاج في العاصمة.
عاصفة الموت
تمضي الأحداث في انتظار هدوء العاصفة ليواصل كل منهم طريقه إلى العاصمة، لكن عاصفة أشد تفاجئهم، وهي حضور ملك الموت، الذي يعلن أنه جاء لقنص روح أحدهم، وعندما يطلب منهم ترشيح أحدهم للموت، يهرب كل منهم، ويرشح آخر باعتباره يستحق الموت، ويبدأ كل منهم، بعدما كان في قمة يأسه ورغبته في التخلص من حياته، يشعر أن الحياة يجب أن تعاش، بحلوها ومرها، وفي النهاية يقدم ذلك الشاب المرح، المحب للحياة، نفسه إلى ملك الموت، راضياً بما عاشه وقنصه من حياته القصيرة، على رغم قلته.
عشرة ممثلين، معظمهم من الشباب، أبانوب عادل، وكلارا مينا، ومينا سمير، ومحمد الرمالي، وهاجر إبراهيم، ومنة هاني، وأمنية طلعت، ومحمد قناوي، ومعتز الجزار، ومايكل مجدي، قدموا شخصياتهم بوعي شديد بأزماتها الوجودية، فالكل ضائع، والكل ناقم على الحياة، باستثناء ذلك الشاب المرح، الذي كان بمثابة شعلة الأمل المرسلة إليهم لتنير لهم الطريق، وترشدهم إلى كيفية التحايل على الحياة لأن الأمر يستحق.
يسري حسان – إندبندنت عربية



