‘في جماليات الميتامسرح’ تُفكّك وهم الإيهام وتهزم الرقابة في المسرح العربي
المؤلف لا يريد إعادة إنتاج الدراسات السابقة حول الميتامسرح، وإنما يسعى إلى إعادة بناء الظاهرة من خلال ثلاثة مصادر أساسية: الفلسفة الجمالية، ونظريات النقد، ومناهج النقد

يواصل الباحث والكاتب المسرحي الأكاديمي الأستاذ الدكتور حسن عبود النخيلة حضوره في المشهد المسرحي العراقي والعربي من خلال إصدارات مسرحية متميزة ومهمة، كان من بينها كتابه “في جماليات الميتامسرح: مقاربات فلسفية ونقدية”، الصادر، بطبعته الأولى، عن مركز الشارقة للإبداع الفكري في دائرة الثقافة والإعلام بحكومة الشارقة بالإمارات العربية المتحدة عام 2016، ويقع في نحو 250 صفحة، ويتكوّن من أربعة فصول رئيسة هي: سؤال الميتامسرح في الفلسفة. ومرجعيات الممارسة الميتامسرحية في بعض النظريات النقدية. ومفهوم الميتامسرح في بعض الممارسات النقدية المسرحية المعاصرة. وتمثلات الميتامسرح في تسعة نصوص مسرحية عربية.
الكتاب هو دراسة نقدية متخصصة ومصنفة ضمن “الدراسات المسرحية”، وأصله يعود في الأساس إلى أطروحة الدكتوراه التي نال بها المؤلف شهادته بتقدير امتياز من جامعة البصرة عام 2015، ويوصف بأنه دراسة علمية رصينة تتتبع تجليات ومفهوم “الميتامسرح”، أو “ما وراء المسرح / المسرح داخل المسرح”.
من أهم ما يميز المشروع أن المؤلف لا يتعامل مع “الميتامسرح” بوصفه مجرد تقنية “المسرح داخل المسرح”، وإنما يبحث في أبعاده الفلسفية والنقدية والجمالية، وفي كيفية اشتغال المسرح على ذاته وعلى تاريخه وأشكاله ومفاهيمه، إذ أن مفهومه الجوهري يتمثل في تحويل المسرح ذاته إلى موضوع للتمثيل والتشخيص.
ينطلق الدكتور حسن عبود النخيلة من أن “الميتامسرح” ليس ظاهرة حديثة، بل ممارسة ضاربة في تاريخ المسرح منذ نشأة النص المسرحي اليوناني، غير أن الوعي النقدي الحديث بها تبلور بصورة واضحة في ستينات القرن العشرين، لا سيما مع تنظيرات ليونيل أبيل في كتابه “التراجيديا والميتامسرح: مقالات في الشكل الدرامي”، ثم اتسعت دائرة المفهوم في الدراسات اللاحقة، من خلال إسهامات باتريس بافيس ومانفريد شميلنغ، الذي ربط “الميتامسرح” بالتناص وبمظاهر المسرح داخل المسرح.

يشير المؤلف إلى أن مفهم “الميتامسرح” يتداخل مع مجموعة من المفاهيم والمصطلحات النقدية المتقاربة، منها: التجويف الأدبي في المنهجية البنيوية. والميتانصية عند جيرار جينيت. والتمسرح المضاعف عند آن أوبرسفيلد. والتناص عند شميلنغ. والمقاربة الفلسفية للميتامسرح عند ليونيل أبيل. ناهيك عن الكيفية التي يتبلور من خلالها الاشتغال الجمالي الميتامسرحي، والمصادر التي تدعمه.
أبرز ما تكشفه المقدمة أن المؤلف لا يريد إعادة إنتاج الدراسات السابقة حول الميتامسرح، وإنما يسعى إلى إعادة بناء الظاهرة من خلال ثلاثة مصادر أساسية: الفلسفة الجمالية، ونظريات النقد، ومناهج النقد، وهذه – تحديداً- تمثل جوهر الإضافة المنهجية في الكتاب؛ إذ لا يكتفي المؤلف بتعريف الميتامسرح أو تتبع ظهوره، وإنما يحاول الكشف عن آليات اشتغاله الجمالي عبر ربط خصائصه بمفاهيم فلسفية ونقدية متعددة.
يحدد المؤلف خمس خصائص أساسية للميتامسرح، وهي: الخاصية التأملية : الفلسفة الجمالية + النقد الشكلاني والأسطوري، والخاصية التأويلية : التفكيك + مفاهيم الشعرية، والخاصية التنظيرية : الميتانصية، والخاصية الفكرية : نظرية التناص، والخاصية الفنية : البنيوية + نظرية السرد.. وهنا تكمن أهمية الكتاب، فالمؤلف يحاول الانتقال من النظر إلى “الميتامسرح” بوصفه تقنية أو بنية مسرحية إلى النظر إليه بوصفه منظومة جمالية متعددة المستويات.
لا يبقى المشروع في مستوى التنظير، بل ينتقل في الفصل الرابع إلى تطبيقاته على تسعة نصوص مسرحية عربية من بلدان مختلفة، هي : الحلم ـ آمنة الربيع ـ عُمان، 2003. المانيكان ـ وليد فاضل ـ سورية، 2004. صدى واحد لصوتين ـ نمر سلمون ـ سورية، 2006. القرد ـ سعدون العبيدي ـ العراق، 2007. بلغني أيها الملك السعيد ـ محمد العوني ـ تونس، 2010. عرض بالعربي ـ علي الزيدي ـ العراق، 2011. التريلا ـ إسماعيل عبد الله ـ الإمارات، 2012. الراوي في الحكاية ـ إسماعيل يبرير ـ الجزائر، 2012. يا للغرابة ـ مجيد حميد الجبوري ـ العراق، 2013.
إن أهم المحاور الفكرية والنقدية للكتاب، هي تأصيل مصطلح “الميتامسرح” إذ يتتبع جذور وتطور هذا المصطلح النقدي، بدءاً من صياغته الأولى على يد الناقد الأميركي ليونيل أبيل عام 1963، وصولاً إلى تطبيقاته المعاصرة، ويربط الدكتور النخيلة الممارسة الميتامسرحية بالجدليات الفلسفية (مثل الفكر السفسطائي)، مركّزاً على الثنائيات التفكيكية:النسخة مقابل الأصل.الحقيقة مقابل الوهم.المرئي مقابل اللامرئي.
لا يكتفي الكتاب بالجانب النظري، بل يدرس كيف وظّف كُتّاب المسرح العربي آليات “المسرح داخل المسرح”، وكيف واجه الفكر المسرحي الأزمات الاجتماعية والسياسية عبر هذا القالب الجمالي المتجدد، فركز المؤلف على الجانب التطبيقي بصفته المختبر الحقيقي لاختبار المفاهيم الفلسفية ونقد النصوص المسرحية العربية المعاصرة، فلم يتعامل المؤلف مع “الميتامسرح” كقالب شكلي جامد، بل كأداة تفكيكية تتيح للمبدع العربي مواجهة انكسارات واقعه.
تتلخص أبرز معالم نقد النصوص والجانب التطبيقي في الكتاب عبر المستويات والآليات الآتية:
1.آليات كسر الجدار الرابع في المسرحية العربية فيركز على تفكيك بنية العرض داخل النص. ويدرس كيف استخدم الكتاب العرب تقنية “المسرح داخل المسرح” كوسيلة لـ:جعل الجمهور طرفاً في اللعبة المسرحية عبر واعية التلقي وخلخلة الإيهام، وتعرية الممارسة المسرحية نفسها، حيث تصبح كواليس المسرح، والمخرج، والممثلون، جزءاً من المتن الدرامي الأساسي.
2.معالجة الأزمات السياسية والاجتماعية للعالم العربي في الجانب التحليلي للنصوص، فيثبت أن اللجوء إلى “الميتامسرح” في النص العربي المعاصر لم يكن ترفاً فكرياً، بل جاء كاستجابة درامية واعية بمواجهة التحديات، موظّفاً هذه الصيغ الجمالية لرصد الأزمات الفكرية والسياسية المعقدة، والالتفاف على مقص الرقيب من خلال اللعب على مكاشفة “الوهم والحقيقة”، وتفكيك السلطة، إذ يُظهر التحليل التطبيقي كيف تحوّل (الميتامسرح) إلى أداة لتعرية أنظمة الهيمنة الفكرية والاجتماعية عبر إظهار الشخصيات وهي تعي أدوارها وتتمرد عليها.
3.التطبيق الفلسفي على البنية الدرامية (تفكيك النص) من خلال تطبيق المؤلف لأطروحته الفلسفية (خاصة طروحات التفكيك وجدليات الفكر السفسطائي) مباشرة على حوارات وحركات الشخصيات العربية: من خلال ثنائية الأصل والنسخة، فيدرس كيف تتبادل الشخصيات الأدوار، لتصبح الشخصية “الخيالية” أحياناً أكثر واقعية من الشخصية “الحقيقية” على المنصة.
4.تتبع الدراسة كيف استطاع النص المسرحي العربي تفكيك الرموز المكثفة وإعادة صياغة صراعات الفرد العربي المعاصر بنبرة حداثية تعتمد التشظي والخلخلة.
وحسب بعض النقاد، فإن هذا النفس التفكيكي والتداولي في نقد النصوص العربية والتحول من التنظير إلى التطبيق، امتد أيضاً في اشتغالات الدكتور النخيلة اللاحقة، مثل دراساته التطبيقية المتخصصة في تداولية الملفوظ لنصوص مثل “انسوا هاملت” لجواد الأسدي.
عبدالعليم البناء – MEO



