“بنج كلي”… الدراما الطبية ورهان القضايا الشائكة
المرضى والأطباء والأسرار ثلاثية صنعت واحدة من أكثر البيئات الدرامية إثارة

ملخص
حرص المسلسل على عرض مشكلات عدة، مثل أخلاقيات المهنة، والطب والمال، والأسرار والجريمة، والسمنة، والعلاقات العائلية، وعقوق الوالدين، وإثبات الذات، والصراعات المهنية، وهذه الوفرة كان يمكن أن تكون ميزة إذا كانت كل حكاية تضيف شيئاً إلى الشخصيات الرئيسة، لكنها قد تتحول إلى عبء إذا أصبحت المستشفى مجرد محطة تنتقل إليها قضية بعد أخرى، والدراما لا تحتاج بالضرورة لعشرات الملفات، بل إلى قصص وحكايات أكثر عمقاً وتأثيراً.
لم يعد المستشفىفي الدراما فضاءً يحوي غرف العمليات والطوارئ، ولا مجرد مكان مناسب لارتداء الأطباء البالطو واستعراض المصطلحات الطبية، بل مسرح مكثف للحياة والموت، ومكان يمكن أن تبدأ فيه حكاية حب وتنتهي أخرى، يكتشف فيه الأب ابنه، وتتكشّف فيه خيانة، ويعترف مريض بسر قد يقلب الموازين، ويقف طبيب أمام قرار قد يفصل بين الحياة والموت، وهناك تحديداً، يصبح الإنسان أكثر صدقاً، لأنه لا يملك رفاهية تأجيل الحقيقة.
عربياً، كان مسلسل “لحظات حرجة” أشهر تلك الأعمال التي سلّطت الضوء على عالم المستشفى، حتى أعاد مسلسل “بنج كلي” الذي يعرض حالياً على بعض الشاشات العربية هذا النوع من الدراما، مثيراً جدلاً كبيراً، لأنه أعاد فتح أبواب المستشفى أمام الدراما النمصرية من زاوية مختلفة، واضعاً طبيبة تخدير في قلب الحكاية، ومحوّلاً الحالات الطبية إلى مداخل لقضايا اجتماعية وأخلاقية وإنسانية.
يشارك في العمل سلمى أبو ضيف ودياب وعدد من النجوم، بينهم كمال أبو رية وسلوى محمد علي وعلا رشدي ومحمد مهران ومحسن محيي الدين، والعمل من تأليف محمد سليمان عبدالملك وإخراج نادين خان، وبدأ عرضه في الـ16 من أغسطس (آب) الجاري.
وتبدأ الأحداث بتعيين الدكتورة دعاء، طبيبة التخدير التي تجسّدها سلمى أبو ضيف، داخل مستشفى الأمل، وهناك تجد نفسها في مواجهة فريق طبي متعدد الشخصيات والحكايات، بينما تتشابك الحالات المرضية مع صراعات مهنية وعائلية وأسئلة أخلاقية تتجاوز حدود غرفة العمليات.
وتكشف الحلقات الأولى أن دعاء هي ابنة طبيب شهير، لكنها ترفض الاستفادة من اسم والدها وامتلاكه مستشفى خاصاً، لأنها تريد أن تثبت قدرتها بعيداً من نفوذ العائلة، وفي المستشفى الجديد تصطدم بالدكتور عزازي، الذي يجسد دوره دياب، ليبدأ بينهما صدام مهني تتداخل معه أبعاد شخصية وإنسانية.
التخدير يغير البوصلة
كان على صنّاع العمل إيجاد مدخل جديد لتحديث دراما المستشفيات والمرضى وعالم الأسرار والحكايات الذي سيطرح من خلال هذا الطرح، ووجد المسلسل مدخلاً درامياً شديد الذكاء، وهو اختيار طبيبة تخدير لتكون هي البطلة الأساسية التي تروى من خلالها الأحداث، واختيار التخدير يضعنا على حافة عالم غامض ومثير يدخل فيه المريض إلى واحدة من أكثر لحظات حياته هشاشة، حين يتخلى موقتاً عن وعيه وسيطرته على جسده، ويضع حياته وثقته في يد الطبيب.
هنا يجد المسلسل منطقة تثير فضول المشاهد، ويفتح من خلالها مدخل الأسرار المخيفة والصراعات والأسئلة الشائكة التي تضع المشاهد في وضع حرج قد لا يجد فيه إجابة تتناسب مع ضميره. ويطرح المسلسل أسئلة: مثل ماذا لو اعترف المريض وهو في حال فقدان للوعي أو في أثناء الإفاقة من التخدير بسر خطر يتعلق بجريمة أو فعل شديد البشاعة؟ وهل عند هذه النقطة ستتحول الحكاية من قصة طبية إلى لعبة أخلاقية كاملة؟
في إحدى حلقات المسلسل يجري مدرب كرة شهير أدى دوره ضياء عبدالخالق جراحة حساسة وفي أثناء إفاقته من التخدير يعترف بأنه قتل لاعب كرة شاباً، وهنا تنتبه طبيبة التخدير لوقوع جريمة كبيرة، وعندما تتحرى عن الأمر تكتشف بالفعل أن هناك لاعب كرة اختفى في ظروف غامضة، وأن المدرب وراء اللغز والجريمة.
وفي تلك اللحظة تجد الطبيبة نفسها أمام معلومة لم تبحث عنها، لكنها تقودها إلى أزمة بين ضميرها الإنساني والمهني، وهنا يجري طرح السؤال درامياً أمام المشاهد: ماذا يفعل الطبيب بما عرفه؟ هل يحافظ بحكم ضميره المهني على سر المريض؟ أم أن هناك لحظة تصبح فيها حماية الآخرين مسؤولية تتجاوز الالتزام بالواجب والأخلاق المهنية والقسم الطبي؟
كمنت قوة هذه الفكرة أنها لا تقدّم إجابة أخلاقية جاهزة، فالطبيب الذي يكشف كل ما يسمعه قد يهدم الثقة التي تقوم عليها علاقته بمرضاه، بينما الطبيب الذي يصمت أمام جريمة محتملة قد يجد نفسه شريكاً بالصمت، وهذه المنطقة الرمادية تستطيع فيها الدراما الجيدة أن تتفوق وتصنع متعة فنية وإنسانية، وفي الوقت ذاته يجد المشاهد نفسه طرفاً في الصراع، وعليه أن يتخذ مع البطل القرار الصحيح وسط تلك الظروف المستحيلة.
مهنة إنسانية أم صناعة؟
من الملفات التي ناقشها المسلسل خلال حلقاته أيضاً العلاقة الملتبسة بين الطب والمال، ويتطرق العمل إلى تفاصيل مهمة تعرض الأزمة من كل الزوايا، مثل أن الطب في النهاية مهنة شديدة الكلفة، والمستشفى مؤسسة لها نفقات وإدارة واستثمارات، والطبيب نفسه يحتاج إلى دخل، بينما يقف المريض في الطرف الآخر، وهو يريد العلاج بأفضل صورة وأقل كلفة والمشكلة تبدأ عندما يصبح المريض “زبوناً” ولا يعامل كحالة إنسانية.
تستمر الدراما في “بنج كلي” في طرح أسئلة شائكة مثل هل الطبيب الذي يسعى إلى الربح يفقد إنسانيته؟ وهل المستشفى الخاص بالضرورة أكثر اهتماماً بالمال من المريض؟ وهل الطبيب الذي يرفض إجراء عملية غير ضرورية يختلف أخلاقياً عن الطبيب الذي يراها فرصة للربح؟ وهذه أسئلة ليس لها إجابة واحدة، ولذلك تكمن قيمتها الدرامية في أنها تضع الشخصيات في المنطقة الرمادية فالطبيب ليس ملاكاً، لكنه ليس تاجراً بالضرورة، والمهنة الإنسانية لا تعني أن صاحبها يعيش خارج قواعد الاقتصاد.
من أبرز أسباب نجاح الدراما الطبية أن الحالة المرضية ليست دائماً هي البطل، فالمريض قد يظهر في حلقة واحدة ثم يختفي، لكن حكايته تترك أثراً في الطبيب أو الأسرة أو المشاهد الحقيقي، لذلك يستطيع الكاتب أن يضع عشرات القصص والحكايات داخل المسلسل من دون أن تبدو دخيلة، وهذا أمر لا يحدث في الدراما التقليدية التي لا بد من أن يكون لكل شخصية وحكاية سبب مرتبط بالأحداث، ولذلك تتفوق الدراما الطبية في مستوى التنوع، ويمكن أن تحظى كل حلقة بشخصيات متنوعة لكل منها حكاية تقود لعالم كامل.
طرح المسلسل قضايا إنسانية عدة من خلال حالات طبية مثل قضية السمنة، ولجوء بعض المرضى للجراحة ليس بدافع أضرار زيادة الوزن فقط، لكن بسبب تعرضهم للتنمر ووجود ضغط اجتماعي عليهم يصوّرهم كأنهم مشوهون جسدياً. وهنا تحول تناول عمليات السمنة في “بنج كلي” من مجرد قضية طبية لسؤال عن علاقتنا بأجسادنا، وعن الثقافة التي جعلت الشكل الخارجي أحياناً أقوى وأهم من السلامة الصحية.
ولم يكتف العمل بطرح قضايا طبية وصحية في رداء اجتماعي إنما ناقش أزمات اجتماعية بشكل مباشر من خلال حالات المرضى وأسرهم، ففتح ملف عقوق الوالدين وجحود الأبناء والخيانة الزوجية وتعدد الزوجات. وفي المستشفى كانت هناك علاقات أسرية كثيرة تحت الاختبار، وبدت المشاعر واضحة من دون مناورات، لأن الأزمات الصحية تضع الشخصيات في مواجهات صريحة غير قابلة للتأجيل.
الأطباء على الشاشة
حرصت معظم الأعمال التي تناولت شخصية الطبيب أن تقدمه بأبعاده الإنسانية والأخلاقية، لأن الجمهور يحب تلك الشخصية ويراها جذابة درامياً، وتمتلك شيئاً غير الآخرين، وفي “بنج كلي” كان التركيز الأكبر على حياة الأطباء وصراعاتهم الإنسانية والشخصية والعائلية، وتعامل المسلسل ببذخ في تقديم تفاصيل وتاريخ لكل شخصية بداية من دعاء البطلة الأساسية التي انفصل والداها منذ طفولتها، وتعاني مشكلة الرغبة في إثبات ذاتها بعيداً من والديها، وعلى رغم رقتها الشديدة تعاني هشاشة أمام الحالات الطبية المؤثرة مما يوقعها أحياناً في مشكلات مهنية.
أما الدكتور عزازي الذي جسّد دوره دياب فقدم شخصية رجل معقد لأسباب شخصية جعلته شديد الصرامة، مما انعكس على علاقته بالمرضى وزملائه في العمل وأثر في مسيرته. وقدم العمل نماذج للأطباء المستغلين مثل بعض أطباء السمنة، وطبيب الجراحة أيمن عبدالعزيز الذي يضع كل شيء تحت قدميه إذا تطلبت مصلحته ذلك.
وربما استفاض المسلسل في تقديم مشاهد تخصّ الحياة الخاصة للأطباء خوفاً من الوقوع في فخ تقديم مسلسل طبي يشبه المحاضرات، ويحكي عن الأمراض وفساد الطب فقط فيملّ المشاهد ويحجم عن المشاهدة، لذلك حرص “بنج كلي” على الجزء الاجتماعي وأيضاً التشويقي، إذ وضع سراً كبيراً لن يجري الكشف عنه حتى الحلقات الأخيرة، ليربط بين الأبطال بشكل شيق، ويزيد الصراع والغموض حتى اللحظات الأخيرة فيضمن التشويق والجاذبية للعمل واستمرار الجمهور في المتابعة.
![]()
ولأن المستشفيات المصرية بمرضاها وأطبائها لها طبيعة خاصة سعت المخرجة نادين خان إلى التصوير داخل مستشفى حقيقي وعدم التعامل مع التجربة باعتبارها “فورمات” جاهزاً، وهو توجه مهم نحو دراما مصرية تريد بناء عالم طبي له خصوصيته المحلية.
حرص المسلسل على عرض مشكلات عدة، مثل أخلاقيات المهنة، والطب والمال، والأسرار والجريمة، والسمنة، والعلاقات العائلية، وعقوق الوالدين، وإثبات الذات، والصراعات المهنية، وهذه الوفرة كان يمكن أن تكون ميزة إذا كانت كل حكاية تضيف شيئاً إلى الشخصيات الرئيسة، لكنها قد تتحول إلى عبء إذا أصبحت المستشفى مجرد محطة تنتقل إليها قضية بعد أخرى، والدراما لا تحتاج بالضرورة لعشرات الملفات، بل إلى قصص وحكايات أكثر عمقاً وتأثيراً.
وفي الدراما الطبية تحديداً لا نستطيع الاستهانة بالدقة، فالكاتب يملك حق الخيال، لكن العالم الذي يبنيه يجب أن يظل مقنعاً، وقد تعرض “بنج كلي” بالفعل لملاحظات من أطباء حول بعض التفاصيل الطبية وطريقة تقديم عمل طبيبة التخدير، إذ قالت أستاذ التخدير مؤلفة كتاب “حكايات من غرف العمليات” المستوحى منه العمل، الدكتورة دعاء جلال، إن الكتاب ليس مرجعاً طبياً، إنما عمل أدبي عن يوميات طبيبة تخدير، وأن بعض التفاصيل كان يمكن تداركها بالاستعانة بصورة أكبر بالمتخصصين، وهذه ملاحظة مهمة، لأن المشاهد قد يتسامح مع المبالغة الدرامية، لكنه يصعب عليه تصديق عالم يخالف أبسط قواعده.
نجلاء أبو النجا – إندبندنت عربية



