لينين الرملى والفيلسوف الخفى!

لا يعقل أن تمر ذكرى ميلاد الكاتب اللامع لينين الرملى فى 18 أغسطس، دون أن تتذكره إلا بضع كتابات متناثرة هناك وهناك، وهو واحد من أكثر كتاب المسرح والسينما موهبة وحضورا فى جمهوره.
وفى تاريخ الفن عموما، هناك من يمتلك إعجاب النقاد وأروقة الأكاديميات، وهناك من يستولى على قلوب الناس وذاكرة الشارع، وقليلاً ما يجتمع عمق الفكر مع شغف الجماهير فى تجربة واحدة دون طغيان أحدهما على الآخر.
هذه المعادلة بالذات كانت جوهر مشروع لينين الرملى، لكنها كانت أيضاً سبب غبنِه فكرياً، لقد ضلّلت بساطته العبقرية عيون النقاد، فحصروا الرجل فى حدود «الكوميديا الناجحة»، وغفلوا عن ذاك العقل الجسور الذى كان يشرح المجتمع ويواجه خرافاته بمنتهى العمق والصدق.
لم يكن الغبن النقدى الذى طال لينين الرملى وليد المصادفة، بل نتيجة تراكمات وثقافات نقدية تشوبها النظرة الانطباعية السطحية، وأول الأسباب يكمن فى سطوة نجومية العرض على عمق النص، إذ ارتبطت أنضج مسرحيات الرملى بأسماء نجوم شباك من العيار الثقيل، يمتلكون حضورًا جماهيريًا طاغيًا، فذهبت غالبية القراءات الصحفية والنقدية السريعة نحو تقييم أداء الفنان، وإيقاع الإخراج، وطاقة الإضحاك فى الصالة، مغفلةً عن عمد أو جهل تشريح النص المكتوب، وتتبع البناء الدرامى والهندسة الفكرية التى وضعها الرملى خلف كل سطر وموقف.
خاض لينين الرملى معركته الصامتة فى قلب المسرح العربى بسلاح لا يرحم: السخرية السوداء التى تُضحك المسرح بأكمله، ثم تترك الصالة فى صمت ثقيل حين يدرك الجميع أن المأساة المعروضة ليست سوى مأساتهم الخاصة.
لم يكن رجل عروض جافة أو استعراضات لفظية مجانية، بل كان فى جوهره فيلسوفًا متخفيًا فى زى كاتب كوميدى، تشغله أسئلة الوجود والحرية والوعى، ويبحث عن مكامن الخلل فى البنية النفسية والفكرية للإنسان ومجتمعه، وينطلق مشروعه الفكرى من إدراك عميق بأن الكوميديا الحقيقية ليست وسيلة للهروب من الواقع أو تسلية الجمهور، بل هى المشرط الأكثر دقة لجراحة التشريح الاجتماعى والنفسى، أداة لتفكيك الأقنعة التى يرتديها الأفراد والمؤسسات للتغطية على الخوف والعجز والفساد.
تبدأ رؤية لينين الرملى للحياة من الإنسان نفسه، ذلك الكائن المحاصر دوماً بين غريزته البدائية وأوهامه الذاتية من جهة، وبين طموحه الإنسانى للارتقاء والحرية من جهة أخرى.
لم يكن الرملى ينظر إلى البشر نظرة ساذجة تقسمهم إلى أخيار وأشرار، بل كان يرى أن الإنسان ساحة معركة مفتوحة، نزاع أزلى داخله وجسده فى «الهمجي»، فغاص فى أغوار النفس البشرية ليفتش عن الخطايا السبع، ويبلغنا أن العدو الحقيقى ليس شيطانًا ولا سلطة جائرة خارج الذات، بل هو ذلك «الهمجي» المتربص فى أعماق كل منا، الجشع، والتكالب، والحسد، والرغبة فى السيطرة، حتى نرى أن التحدى الإنسانى الأكبر ليس فى الانتصار على الآخرين، بل فى القدرة على التهذيب الذاتى والتسامى فوق الغريزة.
هذا الفهم للنفس البشرية يمتد بالضرورة إلى سؤال الحرية، فى «أنت حر»، والحرية عند لينين الرملى ليست شعارًا سياسيًا فى مظاهرة، ولا مجرد غياب القيود والأغلال، بل هى مسؤولية أخلاقية ووعى شاق بالذات.
يطرح النص مأساة الفرد الذى يصرخ مطالبًا بالحرية، لكنه حين يحصل عليها، يكتشف حجم العبء الفلسفى والنفسى الساكن فيها، فيرتعب من مسؤولية الاختيار ونتائجه، ويسعى بملء إرادته للبحث عن سجن جديد أو مستبد جديد يختبئ فى ظله ليحميه من عبء حريته. إنها صدمة المواجهة مع الذات، هل نريد الحرية حقًا أم أننا نعشق العبودية طالما أنها تعفينا من التفكير والمسؤولية؟
وينتقل الرملى من تشريح الفرد إلى نقد المجتمع، فى «وجهة نظر»، حيث لا يقدم مجتمع المكفوفين كحالة مرضية، بل كرمز مكثف ومباشر للمجتمع الذى اعتاد عاهته وتكيّف مع الفساد المؤسسى حتى صار يعتبر العمى هو الأصل والنور هو الاستثناء الخطر، والشخص الوحيد الذى يملك البصيرة ويرى الحقيقة فى تلك المؤسسة المغشوشة لا يُعامل كمنقذ، بل كمتمرد ومجنون يهدد استقرار الجميع، أى أن الوعى مصدر ألم لصاحبه فى مجتمع يتمسك بأوهامه ويخشى مواجهة واقعة.
وفى «تخاريف»، ينكشف الهوان الاجتماعى حين يتاح لإنسان بسيط فرصة تحقيق أحلامه عبر قدرات خارقة، فلا تتفتق مخيلته سوى عن استعادة نماذج الطغيان والاستهلاك الجشع، مما يؤكد أن الأزمة ليست فى نقص الفرص والإمكانات، بل فى التشوه النفسى والفكرى الذى يُعيد إنتاج الاستبداد والفساد فور امتلاك أسباب القوة.
أما فى نظرته للتاريخ وعلاقته بالنخبة الفكرية، فإن لينين الرملى يصل إلى الذروة الدرامية والفلسفية فى «أهلاً يا بكوات»، لم يكن السفر إلى العصر المملوكى مجرد حيلة للإضحاك، بل كان اختبارًا قاسيًا للنخبة التنويرية ومدعى المعرفة، ليكتشف الجمهور بمرارة أن أزمة الشرق ليست فى غياب الأفكار العظيمة، بل فى عجز النخبة الحاملة لها فى تمثلها.
ويعكس هذا النص قناعة الرملى بأن المجتمعات التى لا تملك الشجاعة لنقد ذاتها وتفكيك بنيتها القديمة من الداخل، ستظل تعيد إنتاج تخلفها بأشكال جديدة، حتى لو ارتدت ثياب العصر الحديث.
ختامًا، يمكن القول إن فلسفة لينين الرملى ورؤيته للحياة والمجتمع تتلخص فى دعوة ملحة لا تتوقف: الشجاعة فى مواجهة الذات والوعى الخالى من الأوهام، وكان يرى أن أزماتنا السياسية والاجتماعية والأخلاقية لن تُحل عبر إشاعة التخدير الذاتى، ولا بالبحث الدائم عن كبش فداء أو شماعة خارجية نلقى عليها أسباب عجزنا، بل بامتلاك البصيرة والقدرة على تفكيك سلطة الوهم، لكى نستفيق ونمتلك الجرأة لنغير ما بداخلنا قبل أن نطالب بتغيير العالم من حولنا.
نبيل عمر – الأهرام



