زكي الهواري… مسيرة فنية انتهت في دائرة النسيان
رافق الجمهور المغربي طوال سبعة عقود ورحل عن 90 عاما شبه معزول

ملخص
توفي أول من أمس في الرباط، عن عمر ناهز الـ90، الفنان المغربي ، رائد التمثيل الإذاعي وأحد الأسماء المؤسسة للمسرح المغربي الاحترافي. وقد شارك في أعمال سينمائية مغربية وعالمية بالفرنسية والإنجليزية والإيطالية. غير أنه عانى التهميش والنسيان في سنواته الأخيرة.
كان صوت زكي الهواري (مواليد فاس عام 1936) ينبعث مميزاً في الإذاعة الوطنية قبل أن يصل التلفزيون إلى المغرب. فقد امتدت التجربة الفنية للممثل المغربي الراحل لسبعة عقود، انتقل فيها من المسرح الإذاعي إلى الدراما والسينما العربية والأجنبية. ولم يتوقف دور الهواري عند الأداء الصوتي والتمثيل، بل شمل الكتابة الدرامية أيضاً، ونظم الزجل والمراجعة اللغوية للأعمال الدرامية والسينمائية الممثلة بالعربية الفصحى.
انطلق الهواري في مجال التمثيل منذ الأربعينيات عبر انخراطه في مسرح الهواة في مدينة فاس، في زمن لم تكن فيه الوسائل التقنية متوفرة كما هو الشأن الآن، ولم تكن السينوغرافيا عنصراً أساساً على المسرح. بل كانت الموهبة الفردية وكفاءة الأداء هي الأساس. وكانت الفرق المسرحية التي انخرط فيها الهواري تحت قيادة مخرجين هواة، من بينهم مغاربة وفرنسيون.
ولم تكن من حيلة للهواري في تلك الحقبة التأسيسية سوى نبرته الفريدة في الإلقاء، وقدرته على تلوين الأداء الصوتي وفق الحالة الدرامية التي يجسدها. ويتخذ هذا الأمر بعداً حاسماً حين يتعلق بالمسرحيات الإذاعية، التي لا يرى فيها المتلقي تعابير وجه الممثل وحركاته، بل يكتفي بالوصول إلى المشهد انطلاقاً من صوته وحسب. وقد كان الراحل يملك صوتاً رخيماً، ومتمكناً من مخارج الحروف، وضابطاً لقواعد النحو، ومبدعاً في تجسيد المعاني والدلالات. وقد كانت الأجيال السابقة تستأنس بصوته في الإذاعة الوطنية، لأنه كان يملك بمهاراته الصوتية قوة إقناعية تسعف المستمع في الدخول إلى عالم الحكاية.
حضور في السينما الدولية
وقد أسهم التعدد اللغوي لدى زكي الهواري في حضوره داخل أعمال سينمائية أجنبية. فقد عرف عنه إجادته للفرنسية والإنجليزية والإيطالية، مما أتاح له الوقوف أمام كاميرات مخرجين أجانب في فترة مبكرة. فكان أول حضور سينمائي له في فيلم “بداية وأمل” للمخرج جان فليشي الذي تم عرضه في مهرجان برلين السينمائي عام 1957.
وشارك في فيلم “ذراعا أفروديت” للروماني ميرسا دراغان، وهو عمل مشترك ومتعدد الجنسيات، وشارك في “دافيد” و”إرميا” ومسلسل “سليمان” و”اللفافة السابعة”. وكان للراحل حضور كبير في السلسلة الدينية الدولية “الإنجيل” التي تم تصوير معظم مشاهدها في المغرب.
وحضوره في السينما والدراما بالمغرب تجسد عبر أعمال سينمائية من قبيل “الطريق إلى طنجة” لعبدالكريم الدرقاوي، و”البحث عن زوج امرأتي” لعبدالرحمن التازي و”أصدقاء الأمس” لحسن بنجلون. وكان للراحل حضور في الدراما المغربية عبر مشاركته في سلاسل تلفزيونية كانت تحظى بنسب مشاهدة كبيرة مثل “الصمت” و”عائلة سي مربوح” و”عينك ميزانك” و”علاش أولدي؟” و”غضبة” و”زليخة” وغيرها.
كان الهواري شاعراً غنائياً، فقد نظم مجموعة من القطع الشعرية التي أداها مطربون مغاربة في زمن كان يحمل شعار “الأغنية المغربية العصرية”. فضلاً عن ذلك كتب نصوصاً درامية لفرقة التمثيل بإذاعة الرباط، تحولت إلى تمثيليات إذاعية مثل “البشارة”، “حسن الجوار”، “سيد الحسين الشجاع”. إلا أن شهرته لدى مستمعي الإذاعة كانت عبر السلسلة الشهيرة “الأزلية”، التي أدى فيها دور دلقم.
الغزارة المسرحية
انخرط الهواري مبكراً في فرقة المعمورة للمسرح، وهي إحدى الفرق المسرحية الرائدة في المغرب، تأسست في الرباط عقب استقلال المغرب من الاستعمار الفرنسي، واشتغلت على نصوص عالمية وعربية ومحلية. وكان من أبرز روادها الطيب الصديقي وأحمد الطيب لعلج والعربي الدغمي ومليكة العماري وعبدالصمد دنية وزهور المعمري وفاطمة الركراكي وعبدالله العمراني ومحمد عفيفي ومحمد الحبشي وعزيز موهوب. وتعد هذه الأسماء التي اشتغل معها زكي الهواري من الجيل المؤسس للمسرح المغربي الاحترافي.
قدم الهواري أعمالاً مسرحية متنوعة من بينها، “إرادة الحياة” للمخرج محمد فراح، و”وفاء” و”مريض خاطره” من إخراج بيير مودوي، و”العنكبوت” للمخرج فريد بن مبارك، و”ثمن الحرية” لألبير بوطبول، و”المنافق للطيب الصديقي”، و”المثري النبيل” لبيير لوكا، و”حادة” للطيب أحمد لعلج، و”البلغة المسحورة” للمخرج شارل نوك وغيرها من الأعمال التي أخرجها مغاربة وأجانب مثل “القوق في الصندوق” و”رأس الخيط” و”عمارة الرهونية”.
واللافت أن الأعمال المسرحية التي شارك فيها زكي الهواري فاقت الـ100. وهو يشكل بذلك نموذجاً للفنان الذي كرس حياته بالفعل للمسرح. غير أن ما بذله في حياته من أجل أبي الفنون لم يكن له ما يقابله من المؤسسات والجهات الرسمية في المغرب. فقد دخل في سنواته الأخيرة إلى دائرة النسيان والإقصاء، وعاش بعيداً من الكاميرات والاستوديوهات، ولم يعد ثمة من يدعوه إلى الصعود على المسرح.
عبدالرحيم الخصار – إندبندنت عربية



