أخبار مسرحية

شيماء منصور تكتب: من هنا مر المسرح.. وفي ظفار أصبح المكان بطل الحكاية

عندما تلقيت دعوة حضور للدورة الثانية لمهرجان ظفار الدولي للمسرح، برئاسة الأستاذ عمار بن عوبد الغواص، شعرت بفرحة تختلط بشيء من الشوق والحنين؛ فقد عادت بي الدعوة إلى الدورة الأولى من المهرجان، حين كانت زيارتي الأولى لصلالة، تلك المدينة التي تركت في داخلي أثرًا لا ينسى، وجعلتني أتمنى أن أعود إليها يومًا.

منذ اللحظة الأولى التي وطئت فيها قدماي أرض ظفار، شعرت أنني أمام مكان مختلف؛ مكان يملك قدرة غريبة على أن يمنحك الطمأنينة دون أن يسألك عن أسبابها، وأن يفتح في داخلك نافذة صغيرة للسعادة دون مقدمات. كانت صلالة هادئة كأنها تعرف سرًّا لا تقوله، وكان في هوائها شيء يدعوك إلى التمهل، وفي طبيعتها ما يجعلك تشعر، ببساطة، أنك وصلت إلى المكان الذي ينبغي أن تكون فيه.

لذلك، لم تكن عودتي إلى ظفار هذه المرة مجرد دعوة لحضور مهرجان، بل كانت عودة إلى مكان أحببته قبل أن أعرف أنني أحببته، وإلى ذاكرة تركت بابها مفتوحًا للعودة.

منذ اللحظة الأولى شعرت وكأنني  أصل إلى مسرح كبير مفتوح على الطبيعة؛ مسرح لا سقف له سوى السماء، ولا ديكور فيه سوى الجبال والخضرة والضباب، ولا موسيقى تصاحب مشاهده أجمل من صوت المطر الخفيف وهو يمر على شوارع صلالة في هدوء.

في ظفار، يبدو كل شيء وكأنه مشهد مسرحي مكتمل العناصر. الجبل يقف في الخلفية، والضباب ينسدل مثل ستارة، والوجوه القادمة من بلدان مختلفة تتحرك في المكان كأنها شخصيات وصلت لتوها إلى خشبة واحدة، لا يجمعها نص واحد، وإنما يجمعها الإيمان بأن المسرح يستطيع أن يقول ما تعجز الكلمات أحيانًا عن قوله.

ومن هنا، ربما يمكن فهم خصوصية مهرجان ظفار الدولي للمسرح؛ فالمهرجان لا يأتي إلى المكان محاولًا أن يفرض عليه حضوره، وإنما يبدو كأنه ينصت أولًا إلى روحه، ثم يفتح لها نافذة على العالم.

في دورته الثانية، التي أقيمت في الفترة من 14 إلى 22 سبتمبر، تجمع ظفار 15 عرضًا من تسع دول، في ثلاثة مسارات رئيسية: عروض النخبة، والعروض الكبرى، ومسرح ظفار، إلى جانب ورش العمل والفعاليات الثقافية والفنية المصاحبة.

لكن الأرقام، مهما بدت مهمة، لا تستطيع وحدها أن تحكي ما حدث هنا، فما يلفت النظر في ظفار ليس فقط عدد العروض أو أسماء الفنانين المشاركين، وإنما ذلك الحوار الذي ينشأ بين المسرحيين أنفسهم، فنان من مصر يجلس إلى جوار فنان من عمان، ومخرج من بلد بعيد يناقش تجربة ممثل عربي، وناقد يتأمل عرضًا جاء من ثقافة مختلفة تمامًا عنه، ثم يكتشف الجميع في النهاية أن الاختلاف لم يكن حاجزًا، بل كان هو المساحة التي بدأ منها الحوار.

وهنا تبدو فكرة المهرجان أكثر اتساعًا من مجرد منافسة على جوائز. فمساراته الثلاثة تفتح المجال أمام التجارب الدولية، وتمنح المسرح العُماني والمحلي مساحة للحضور، وتخلق في الوقت نفسه منطقة مشتركة لتبادل الخبرات والمعارف. وقد أكد منظمو المهرجان أن دعم المسرح بوصفه لغة للتواصل بين الثقافات وإتاحة المجال للمواهب المحلية يمثلان جانبًا أساسيًا من توجهه.

وأنا أمشي بين فعاليات المهرجان، كنت أشعر أن ظفار لا تستضيف المسرح فقط، بل تعيد تعريف علاقتها به. هنا لا ينفصل الفن عن المكان؛ فالمسرح يولد على الخشبة، لكنه يمتد إلى الشارع، وإلى جلسات الفنانين، وإلى أحاديث الجمهور، وإلى تلك التفاصيل الصغيرة التي لا تدخل عادة في البيانات الصحفية، لكنها تبقى في الذاكرة.

ربما لهذا تبدو ظفار في أيام مهرجانها وكأنها تكتب عرضًا مسرحيًا آخر، لا يحتاج إلى مخرج ولا إلى نص،
عرضًا عنوانه اللقاء، لقاء الإنسان بالإنسان، والفنان بالفنان، والثقافة بالثقافة، والمسرح بالمكان.

وحين أنتهت العروض وأنطفأت الأضواء، بقى  شيء من تلك الحكاية عالقًا في الهواء؛ في ضباب صلالة، وفي طرقاتها، وفي ذاكرة الذين جاءوا إليها من أجل المسرح، ثم اكتشفوا أنهم أخذوا معهم شيئًا من ظفار .. شيء سيظل في ذاكرتهم إلى الأبد.. فسلاما عليكي ياظفار إلى أن نلتقي.

شيماء منصور – اليوم السابع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!