المسرح القطري يفقد جمهوره

لماذا لم يعد المسرح القطري يحظى بالحضور الجماهيري الذي عرفه في بداياته؟ سؤال يستحق التوقف عنده، خصوصاً بعد أكثر من خمسين عاماً على انطلاق الحركة المسرحية الرسمية في قطر.
فحين وُلدت أولى خطوات المسرح في أواخر خمسينيات القرن الماضي، لم يكن يبحث عن الشهرة، ولا يفكر في المهرجانات أو الجوائز أو المشاركات الخارجية. كانت رسالته واضحة وبسيطة: خدمة المجتمع وتوعيته، والمساهمة في تغيير بعض ما كان سائداً من معتقدات وسلوكيات. وكانت العروض، على بساطتها الفنية، تنبع من حياة الناس اليومية، وتتحدث بلغتهم، فوجد المسرح مكانه الطبيعي بينهم.
ومع انطلاق الحركة المسرحية الرسمية في مطلع السبعينيات، وقيام المؤسسات الثقافية وظهور الفرق المسرحية، ظل المسرح في سنواته الأولى وفياً لتلك الرسالة. ويمكن القول إن العقد الأول من عمر المسرح الرسمي كان استمراراً لتلك الروح التي رأت في المسرح وسيلة للتثقيف والتنوير وبناء الوعي، أكثر من كونه ساحة للتنافس الفني.
كان الكاتب يكتب وهو يشعر بمسؤوليته تجاه مجتمعه، وكان المخرج يبحث عن أفضل طريقة لإيصال فكرته، وكانت الفرق ترى نجاحها الحقيقي في تفاعل الجمهور مع ما تقدمه. لم يكن السؤال المطروح: كم جائزة حصلنا عليها؟ بل كان: ماذا أضفنا إلى مجتمعنا؟
واللافت أن تلك المرحلة سبقت وجود أجهزة الرقابة بشكلها المؤسسي المعروف اليوم. ومع ذلك لم يكن المسرح منفلتاً من القيم، بل كان يمارس رقابة ذاتية واعية، نابعة من شعور بالمسؤولية الوطنية والدينية والاجتماعية. كان المسرحي يعرف حدود مجتمعه، ويعرف كيف يناقش قضاياه بوعي واحترام، دون أن تفرض عليه جهة خارجية ما يكتبه أو ما يعرضه.
لكن مع تطور المؤسسات الرسمية، وانتقال الرقابة إلى جهات إدارية، تغيّرت طبيعة العلاقة بين المسرح والجهة المنظمة. فأصبحت النصوص والعروض تمر بإجراءات رقابية متعددة، وهو أمر له منطقه من الناحية التنظيمية، لكن أثره امتد في بعض الأحيان إلى تقليص مساحة المبادرة والإبداع. ومع مرور الوقت، بدأ بعض المسرحيين يكتبون وهم يفكرون فيما ستوافق عليه الرقابة، أكثر مما يفكرون فيما يحتاج المجتمع أن يناقشه.
ولعل أحد الأسباب الجوهرية لعدم استقرار المسرح القطري وتطوره عبر الزمن هو غياب التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى. فمنذ البداية، ومع قيام المسرح الرسمي الذي تدعمه الدولة، وظهور الفرق الأهلية التي تتلقى الدعم أيضاً، تعاقبت على إدارة هذه الفرق جهات كان شغلها الشاغل تمرير الأعمال اليومية، دون أن تضع خططاً استراتيجية تنظر إلى المستقبل البعيد.
ولهذا لا فرق كبيراً، من هذه الزاوية، بين مسرح عمره سنة ومسرح تجاوز عمره الخمسين عاماً؛ فعلى مدى نصف قرن كامل، لم تضع الفرق الأهلية لنفسها أهدافاً بعيدة المدى أو خططاً تطويرية، بل ظلت تحقق أهدافها اليومية الصغيرة واحدة تلو الأخرى.
ورغم أن الدولة قدمت دعماً مادياً لهذه الفرق، فإنها لم تسعَ إلى تنويع مصادر دخلها أو البحث عن استدامة مالية خاصة بها. وحين تراجع هذا الدعم في السنوات الأخيرة، وجدت إدارات المسارح نفسها في موقف الانتظار، تنتظر دعماً قد يأتي وقد لا يأتي، بعد أن اعتادت الاعتماد الكامل عليه دون بديل.
ومع ذلك، فإن المسؤولية لا تقع على الفرق وحدها. فعلى الدولة أن تستمر في دعمها المادي والمعنوي للمسرح، لأنه ليس ترفاً ثقافياً يمكن التنازل عنه عند الحاجة، بل هو جزء أساسي من التنمية الثقافية والمجتمعية. فالمسرح أداة لبناء الوعي وصياغة الهوية، ودعمه استثمار في الإنسان قبل أن يكون دعماً لنشاط فني، تماماً كما أن استمرار الفرق في تطوير مصادر دخلها الذاتية لا يعني تخلي الدولة عن دورها، بل يعني شراكة حقيقية بين الدعم الحكومي والاستدامة الذاتية. وفي الوقت ذاته، أخذ المسرح يتجه شيئاً فشيئاً نحو ما يمكن تسميته “المسرح النخبوي”.
لم يعد الجمهور العريض هو الهدف الأول، بل أصبحت المهرجانات والجوائز والمشاركات الخارجية أولوية لدى كثير من الفرق. وأصبح مقياس النجاح هو عدد الجوائز التي يحصدها العرض، لا عدد المتفرجين الذين تأثروا به أو القضايا التي طرحها عليهم. ولا شك أن المهرجانات والجوائز جانب مهم في تطور الحركة المسرحية، فهي تخلق منافسة فنية وتشجع على التجديد.
لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الوسيلة إلى غاية. فعندما يصبح الفوز بالجائزة هو الهدف الأول، تتراجع الرسالة الاجتماعية، ويبتعد المسرح عن جمهوره الطبيعي. وهنا تكمن الإجابة عن سؤالنا الأول: لقد ابتعد المسرح، في جانب منه، عن الناس، بعد أن كان نجاحه في الماضي قائماً على قربه منهم.
فكثير من العروض اليوم تُقدَّم ليلة أو ليلتين فقط، يحضرها المسرحيون أنفسهم وأصدقاؤهم وعائلاتهم، ثم تنتهي رحلة العرض بانتهاء المهرجان أو المسابقة. وبهذا فقد المسرح أهم عناصر بقائه: التواصل المستمر مع جمهوره. إن المسرح لا يعيش بالجوائز وحدها، ولا بالمهرجانات وحدها. فالجائزة تبقى حدثاً عابراً، أما الأثر الحقيقي فيبقى محفوراً في وعي المجتمع وذاكرته.
والتاريخ لا يتذكر عدد الجوائز التي حصل عليها عمل مسرحي، بقدر ما يتذكر الأعمال التي غيّرت الأفكار، وناقشت القضايا، وساهمت في بناء الإنسان.
ولذلك، فإن ما يحتاجه المسرح اليوم ليس مزيداً من التعقيد، بل مزيداً من القرب من المجتمع، إلى جانب رؤية استراتيجية واضحة تخطط لما بعد العام والعشرين عاماً، لا لما بعد العرض القادم فقط.
مسرح يعيد الاعتبار للكاتب الذي ينطلق من هموم الناس، وللمخرج الذي يخاطب الجمهور قبل أن يخاطب لجنة التحكيم، وللفرقة التي تقيس نجاحها بامتلاء قاعة العرض واستمرار تأثيرها، لا بعدد الشهادات التي تعود بها من المهرجانات. لقد أثبتت التجربة أن المسرح القطري نجح في بداياته لأنه كان جزءاً من حياة المجتمع، لا نشاطاً ثقافياً منعزلاً عنه. وربما تكون العودة إلى تلك الروح، بأدوات العصر الحديثة وإمكاناته، هي الخطوة الأولى لاستعادة مكانة المسرح بوصفه قوة ثقافية وتربوية وفكرية، لا مجرد منافس في سباق الجوائز.
د. مرزوق بشير بن مرزوق – الراية القطرية



