أخبار مسرحية

أحمد الشحيمة… فارس المسرح المراكشي الذي خانه بريق الأضواء

في الأزقة العتيقة لحي باب الدباغ بمراكش، حيث تتجاور الذاكرة الشعبية مع الحكايات التي لا تنتهي، ولد أحمد الشحيمة، قبل أن يختار الخشبة وطنًا آخر، ويمنح حياته لفن ظل بالنسبة إليه رسالة قبل أن يكون مهنة. لم يكن يبحث عن الشهرة بقدر ما كان يبحث عن متعة الوقوف أمام الجمهور، في زمن كان المسرح فيه مدرسة لتكوين الإنسان، ومنبرًا للتعبير عن نبض المجتمع.

كانت البدايات مع فرقة الأمل التي أسسها عميد المسرح المغربي محمد حسن الجندي، وهناك تعلم أبجديات الوقوف فوق الخشبة، واكتسب خبرة فنية صقلت موهبته وسط جيل صنع ملامح المسرح المغربي الحديث. ثم انتقل إلى فرقة الوفاء المراكشية، حيث شارك في أعمال أصبحت جزءًا من الذاكرة الجماعية، من بينها مسرحيتا “الحراز” و“سيدي قدور العلمي”، اللتان حملتا التراث المغربي إلى جمهور واسع داخل المملكة وخارجها.

لم يكن أحمد الشحيمة ممثلًا يؤدي أدواره فحسب، بل كان واحدًا من أبناء جيل آمن بأن المسرح رسالة وطنية وثقافية. جاب المدن، واعتلى الخشبات، وشارك في عروض قدمت أمام المغاربة في محطات تاريخية مختلفة، بل امتدت جولاته إلى الخارج، مساهمًا في التعريف بالمسرح المغربي وتراثه.

وفي مطلع تسعينيات القرن الماضي، فتح التلفزيون أبوابه أمام هذا الوجه المسرحي، فشارك في مسلسل “إنسان في الميزان”، قبل أن تتوالى حضوره في عدد من الأعمال الدرامية والسينمائية. ورغم أن حضوره على الشاشة ظل متقطعًا، فإنه ترك بصمته في أعمال مثل “حمان المهزلة”، و“السطاجير”، و“دايزو القوام”، و“غرارين عيشة”، إضافة إلى مشاركاته في “دار الورثة” وفيلم “بابا كونيكتا”، مؤكدًا قدرة الفنان المسرحي على التأقلم مع مختلف الأجناس الفنية.

وراء هذا المسار الطويل، عاش الشحيمة واقعًا يشبه واقع كثير من الفنانين المغاربة من جيله؛ عطاء كبير يقابله اعتراف محدود. فقد اضطر، في مراحل من حياته، إلى مزاولة التجارة إلى جانب الفن حتى يضمن موردًا للعيش، في اعتراف صريح منه بأن المسرح وحده لم يكن يكفي لتأمين الحياة الكريمة، رغم عقود من الإبداع فوق الخشبة.

وفي يوليوز 2023، تعرض الفنان المراكشي لحادثة سير خطيرة استدعت نقله إلى المستشفى وخضوعه لعملية جراحية، في واقعة أعادت إلى الواجهة النقاش حول أوضاع الفنانين الرواد، والهشاشة الاجتماعية التي يعيشها كثير منهم بعد سنوات طويلة من العطاء.

قصة أحمد الشحيمة ليست مجرد سيرة ممثل، بل هي مرآة لجيل كامل أسس للمسرح المغربي في ظروف صعبة، وقدم أعمالًا ما زالت حاضرة في ذاكرة الجمهور، بينما غاب كثير من أصحابها عن دوائر الضوء. فالرجل الذي تجاوز عقودًا من الإبداع ظل وفيًا لخشبة المسرح، مؤمنًا بأن الفنان الحقيقي لا يقاس بعدد الجوائز أو حجم الأضواء، وإنما بالأثر الذي يتركه في وجدان الناس.

اليوم، يبدو أحمد الشحيمة واحدًا من الفنانين القدامى الذين لم ينالوا ما يستحقونه من تكريم واحتفاء، رغم أن أسماءهم كتبت صفحات مضيئة في تاريخ المسرح المغربي. إن إنصافه، ومعه جيله من الرواد، ليس مجرد لفتة وفاء، بل هو اعتراف بذاكرة ثقافية صنعت هوية الفن المغربي، وأسهمت في ترسيخ مكانة المسرح باعتباره أحد أهم روافد الإبداع الوطني.

معاد مرفوق – nichanealane

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!