نجوم في السينما العربية.. النجم عبد الله غيث

في كل مرة يجب أن نختار فنانًا ونكتب عن تاريخه الفني، ومع ذلك لا يمكن أن ننسى أي فنان ونمحو تاريخه الفني لعدم كتابتنا عنه. كل نجم نريد أن نكتب عن فنه ونخلد وجوده في حروفنا وكلماتنا، كل نجم وإن غفلت عنه حروفنا وكلماتنا لن تغفل عنه قلوبنا، وستبقى أعماله الفنية يخلدها تاريخ السينما العربية.
نجم رسم وجوده بصورة مختلفة، لم يهتم للشهرة بل هو يرى الفن رسالة، وكما يراه أثبت ذلك لجمهوره. لديه قيم وأخلاق حتى في اختياره لأعماله؛ فهو لم يهتم للشهرة وبأن يصل للشهرة بشكل كبير، بل كان يختار أدواته وأدواره بعناية كبيرة. وكان يرى بأن الفن يمكن أن يوصل القيم والأخلاق والإسلام بشكل صحيح وبشكل يغير العالم بذلك. وكما يرى ويؤمن أثبت ذلك لجمهوره من خلال فيلم “الرسالة”، وهو جسد فيه شخصية عم الرسول محمد (عليه الصلاة والسلام) حمزة (رضي الله عنه)، ونشاهده في الأيام التي تكون فيها عبادة أو مهمة للمسلمين. وهذا الفيلم بسببه دخل العديد من البشر في الإسلام؛ فهو جسد السيرة النبوية بشكل بعيد عن العنصرية في الدين التي انتشرت عنه بشكل خاطئ، وعن العنصرية في العرق، وأيضًا عدم التسامح، كل ذلك أثبت الفيلم بأنه لا ينتمي للإسلام، وبأنه دين تم محاربته لكل من اختاره بقناعة دون إجبار من أحد.
عندما يؤمن الفنان بشيء ويجعل جمهوره يشاهده فهذا ما فعله الفنان عبد الله غيث (رحمه الله وأسكنه فسيح جناته). اشتهر بالتواضع وحسن الخلق، ولديه روح أصيلة تنتمي للعروبة بشكل كبير؛ فهو من محافظة الشرقية في مصر، وهو يميل للحياة البعيدة عن الصخب والأضواء، ويدرك بأن لديه رسالة يجب أن لا يغفل عنها. عندما تتعمق فيه فأنت ترى في ملامحه قوة وتواضعًا وإيمانًا بالحقيقة، يرى كل شيء بعيدًا عن الكذب والخداع. لم تخدعه الشهرة بل كان يراها بوابة لإيصال الحقيقة والقيم والأخلاق والعادات التي لم يغفل عنها بل جعلها طريقًا للفن.
أبرز أعماله هو فيلم “الرسالة” الذي جسد فيه حمزة بن عبد المطلب (رضي الله عنه) للمخرج العالمي مصطفى العقاد (رحمه الله). وجسد شخصية حمزة بن عبد المطلب أيضًا الفنان العالمي أنطوني كوين، وأعجبه أداء الفنان عبد الله غيث وكان يطلب من المخرج أن يسبقه في التصوير لكي يتعلم منه إتقان الشخصية بشكل أفضل.
ومن أعماله الفنية أيضًا: فيلم “عصر القوة” مع الفنانة نادية الجندي، وقدم فيه شخصية أدهم الفيومي وهو يعمل في تجارة السلاح والمخدرات، ومن خلالها امتلك إمبراطورية وثروة كبيرة جسد فيها القوة والثروة والنفوذ والمال بشكل غير قانوني. وفيلم “ديك البرابر” وهو جسد فيه شخصية الحاج عبد العظيم البربري، وهو رجل يمتلك ثروة كبيرة ولديه ابن واحد و10 بنات، ويريد أن يزوج ابنه لكي ينجب له وريثًا، وابنه مريض عقليًا. وهو يناقش قضية مهمة وهي استغلال النفوذ والمال لكي يكون لديه وريث وسلب حقوق المرأة التي تنجب ذلك الوريث له، وجسد الشخصية الزوجة الفنانة نبيلة عبيد ،وفي النهاية يقتله ابنه المريض عقليًا من أجل إنقاذ زوجته، وجسد شخصية الابن المريض عقليًا الفنان فاروق الفيشاوي (رحمه الله). الفيلم يناقش قضية مهمة جدًا وهي عدم استغلال النفوذ والقوة للوصول لأي شيء بشكل خاطئ، وهو (رحمه الله) جسد هذه الشخصية لكي يوصل للعالم بأن الشر لا يحقق لك أحلامك بل يكتب لك نهاية؛ إما بموت أو بفقر وخسارة لا يمكن توقعها، لأن الشر هو محاربة لك وتدمير لك قبل أن يكون محاربة ودمارًا لغيرك، لأنك تحصد ما تزرعه.
امتدت مسيرة الفنان عبد الله غيث (رحمه الله) إلى أكثر من 38 عامًا، وبدأت مسيرته عقب تخرجه من المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1955م، وانضم بعدها إلى فرقة المسرح القومي ليبدأ رحلة التألق على خشبة المسرح. لقبه الجمهور “سيد المسرح الشعري”، ورشحه الفنان يوسف وهبي -وهو عميد المسرح- ليكون خليفته على المسرح لأنه يتقن اللغة العربية، وأيضًا لجمال صوته ومدى تأثيره وقوته لجذب الجمهور على خشبة المسرح. وقدم مسرحيات لها وجود في قلوب الجمهور في ذلك الوقت، منها: “الوزير العاشق”، و”الزير سالم”.
بلغ إجمالي أعماله الفنية ما يقارب 165 عملًا فنيًا:
المسرح: أكثر من 20 مسرحية.
السينما: نحو 20 فيلمًا سينمائيًا.
المسلسلات والتلفزيون والإذاعة: أكثر من 80 مسلسلًا دراميًا (تاريخية، ودينية، وصعيدية).
أعماله في السينما قليلة لأنه رفض التنازل عن معايير وأخلاقيات يؤمن بها وبأن لها دورًا في جعل الفن له رسالة وليس صورة لمتعة المشاهد، ومع ذلك لم يتنازل عن رسم صورة في السينما. وقلة أعماله لم تجعل اسمه يُمحى من السينما، بل هو نجم رسم صورة الفن بشكل مختلف ولديه أعمال تثبت ذلك، منها: فيلم “أدهم الشرقاوي”، ومنها: فيلم “الحرام” مع الفنانة فاتن حمامة (رحمها الله). وترك بصمة في الدراما التاريخية والدينية مثل: “ابن تيمية”، و”موسى بن نصير”، والدراما الاجتماعية الصعيدية مثل: “المال والبنون”.
لا يمكن أن ننسى الفنان عبد الله غيث؛ فهو رسم في قلوبنا وعقولنا هوية فنية له لن تتكرر ولا يملكها غيره، وكأنه يرسم لنا جزءًا لا يمكن لنا نسيانه. فهو رسم لنفسه فنًا هو من خلق له صوتًا وصورة وهوية، فنًا يبني القيم والأخلاق، فنًا يجعلنا نرى كل شيء بصورة واقعية بعيدة عن الكذب والخداع. تعلم ممن سبقوه في الفن، ولكنه اختار طريقًا مختلفًا لا يراه ولا يؤمن به سواه، وكأنه أدرك الفن ومدى تأثيره على القلوب والعقول والقيم والأخلاق. رحمه الله، سيظل موجودًا صوته في فيلم “الرسالة”، وهو عمل فني يرسم الهوية العربية ويجعل العالم يراها بعيدة عن كل ما يكتب عنها أو يقال عنها. رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.
سهله المدني



