سردية التاريخ.. أقلام إماراتية توثق الحكاية وتلهم الأجيال

من فم الراوي بدأت الحكاية، ومن بين دفّات الوثائق أخذت ملامحها تتضح، وعلى شاشات الأرشيف الرقمي تواصل اليوم بحثها عن أسئلة جديدة.
هكذا تبدو رحلة الكتابة التاريخية الإماراتية، وهي تنتقل من جيلٍ حمل ذاكرة المكان وحفظ تفاصيله من الغياب، إلى جيلٍ شاب يفتح الماضي على أدوات البحث الحديثة، ويعيد النظر في الرواية والوثيقة معاً، لاكتشاف ما وراء الوقائع من تحولات إنسانية واجتماعية وثقافية.
لم تكن هذه الرحلة انتقالاً من الذاكرة إلى الوثيقة بقدر ما كانت توسعاً في معنى التوثيق نفسه؛ فالرواية الشفوية التي شكلت نقطة البداية لم تعد غاية، بل أصبحت شاهداً يُقارن بالمصادر المكتوبة والوثائق المحلية والأجنبية.
فيما أتاح الأرشيف الرقمي للباحث الشاب وصولاً أسرع إلى مواد كانت تتطلب في السابق وقتاً وجهداً كبيرين.
وبين صرامة المنهج وإغراء الحكاية، يكتب جيل جديد من المؤلفين تاريخ الإمارات بعيون معاصرة، محاولاً أن يمنح الماضي دقته العلمية، وفي الوقت نفسه يعيد إليه صوته الإنساني وروحه الحية.

وفي هذا السياق أكدت الدكتورة فاطمة الصايغ، الأكاديمية في جامعة الإمارات، وعضو مجلس أمناء مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، لـ«البيان»، أن منهجية كتابة تاريخ دولة الإمارات شهدت تطوراً ملحوظاً بالتزامن مع ابتعاث الدولة للعديد من الطلاب للدراسة في الخارج، وإطلاق قسم التاريخ في جامعة الإمارات ببرامج تعتمد على مناهج البحث العلمي الحديثة.
موضحةً أن هذا التطور تجلّى في الجمع بين الروايات الشفهية والمصادر المحلية، والاستفادة من دور الأرشيف والوثائق الوطنية التي أنشئت في مختلف إمارات الدولة.
وأشارت الدكتورة فاطمة إلى أن تدوين التاريخ اعتمد على مقارنة المصادر المحلية بالوثائق البريطانية، التي تضم معظم المادة التاريخية للمنطقة، إلى جانب الوثائق السعودية والعمانية بحكم الوحدة الجغرافية والتاريخية للمنطقة.
مضيفةً أن تأسيس أقسام التاريخ بالجامعات الوطنية وطرح برامج الماجستير والدكتوراه أسهم في بروز جيل من المؤرخين الإماراتيين المؤهلين الذين عاصروا الأحداث وشهدوا التحولات، ما مكّنهم من قراءة التاريخ بعيون وطنية.
وبيّنت أن الباحثين الإماراتيين أضافوا الكثير للمكتبة التاريخية عبر اعتمادهم على الذاكرة الوطنية، والرواية المحلية، وتحليل الوقائع، ومقارنة الوثائق الأجنبية بالمحلية.
لافتةً إلى أن هذا النهج أثمر عن ظهور جيل من الرواد، مستحضرةً دور المؤرخ الدكتور فالح حنضل الذي تعتبره أستاذاً ومُعلّماً في هذا المجال.
وذكرت أنها أعدت رسالتها للدكتوراه في إحدى الجامعات الغربية، محاولةً بقدر الإمكان سرد الواقع وتاريخ المنطقة من منظور محلّي يتجاوز الرؤية الغربية.
مشيرةً إلى أنها وجيلها، ومنهن الدكتورة عائشة السيَّار، أول إماراتية تحصل على الدكتوراه في التاريخ، يُعدّون من روّاد هذا المجال.
موضحةً أن المؤرخين الأجانب ركزوا أساساً على التاريخ السياسي، بينما ركز الباحثون الإماراتيون على التحولات الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والدينية، إضافة إلى التطورات المتعلقة بالمرأة، ما جعلهم الأقدر على فهم وتحليل تحولات مجتمعهم وإضافة ما لم يتطرق إليه الآخرون.
وشددت الأكاديمية بجامعة الإمارات على أن سبل الوصول الحديثة إلى الوثائق والمصادر الرقمية لا تفرض تحديات جديدة بقدر ما تفتح آفاقاً ونقاطاً بحثية جديدة أمام الباحث الشاب.
حيث تيسر المادة التي لم يناقشها المؤرخون الأجانب من قبل، موضحةً أن التقنيات الرقمية توفر الوقت والجهد؛ إذ كان الباحث في السابق يحتاج إلى يوم كامل في المكتبة البريطانية للحصول على وثيقة واحدة، بينما أصبحت الوثائق اليوم تتاح بنقرة زر من داخل المنزل.
واختتمت الدكتورة فاطمة الصايغ تصريحها بالإشارة إلى أن وفرة المصادر تمنح الباحثين الشباب المتميزين في التعامل مع الأدوات الرقمية سرعةً ومرونة أكبر في البحث.
مؤكدةً في الوقت ذاته أن الاستفادة الكاملة من هذه الميزة تتطلب امتلاك الباحث مهارات ومنهجيات البحث التاريخي الصارمة، لضمان استخلاص الحقيقة التاريخية الكاملة والوصول إلى القراءة الصحيحة للأحداث.
توثيق ومقارنة

من جانبه، أكد الباحث في التراث الشعبي الإماراتي، فهد علي المعمري، أن حركة التأليف في مجالي التاريخ والتراث بالدولة شهدت تطوراً ملموساً خلال العقود الماضية؛ إذ انتقلت من مرحلة جمع الروايات الشفوية وحفظها من الضياع، إلى مرحلة التوثيق والمقارنة والتحليل العلمي العميق.
وأوضح المعمري، استناداً إلى تجربته في إصدار مؤلفات عدة، أبرزها كتابا «البحر في التراث الشعبي الإماراتي» و«الرياح والأهوية في التراث الشعبي الإماراتي»، أن الرواية الشفوية تُشكّل نقطة بداية للبحث وليست غاية في حد ذاتها.
مشيراً إلى أن المنهجية الدقيقة تتطلب تسجيل تفاصيل المقابلة بدقة (اسم الراوي، ومكانه، وتاريخ اللقاء)، ثم تقاطُع هذه البيانات مع المصادر المكتوبة، والأمثال، والشعر، والوثائق الرسمية.
ولفت إلى اعتماده على مقابلات ميدانية موثقة شملت رواة من مختلف إمارات ومناطق الدولة؛ كدبي، وحتا، والعين، والفجيرة، وعجمان، وفلج المعلا.
وشدد الباحث الإماراتي على أن تفاصيل الحياة اليومية تمنح قراءة لتاريخ المجتمع قد تفوت الوثائق الرسمية؛ فالوثيقة قد ترصد الحادثة أو الحركة التجارية، لكنها لا تغطي أسماء الغواصين، وأدواتهم، وأمراضهم، وأسماء الأسماك، ومغاصات اللؤلؤ، والأهازيج البحرية.
مضيفاً أن دراسة ظواهر مثل «الرياح» أو «الدرور» تتجاوز جمع المفردات إلى تفسير نظام معرفي شعبي متكامل يربط بين المواسم، والزراعة، والبحر، والنجوم.
وفي سياق حديثه عن التحديات المعاصرة، نبه المعمري إلى أن الباحث الشاب اليوم يقف أمام واقع يسهل فيه الوصول إلى المعلومة رقمياً بينما يقل حضور كبار السن والرواة.
مؤكداً أن التقنية، برغم أهميتها في الحفظ والفهرسة، لا يمكن أن تبدّل الراوي أو تنقل سياق اللهجة والمناسبة.
واختتم فهد المعمري تصريحه بالدعوة إلى اعتماد منهجية ثلاثية الأركان تكامل فيها: الميدان لتسجيل الذاكرة الشفوية وسياقها، والمصدر (الوثيقة) لتقديم الشاهد التاريخي المستقل.
والتقنية لتسريع عمليات التنظيم والتحليل والمقارنة، مشدداً على أن المعرفة التاريخية الحقيقية تكمن في قدرة الباحث على دمج هذه العناصر لتفسير كيف تفاعل الإنسان الإماراتي مع بيئته ومكانه.
بوابة الحكاية

وفي تجربة شابة محفوفة بالجمال والشغف، أكد الكاتب الشاب أحمد راشد بن فهد أن الكتب والمصادر التاريخية، برغم إشباعها للعقل بالتواريخ والحوادث، تترك فراغاً جلياً في فهم المشاعر الإنسانية.
مشيراً إلى أن الدافع الأساسي لإصداره الأخير «غرناطة بعد السقوط» كان الاقتراب من التاريخ عبر بوابة الحكاية والذاكرة والإنسان.
وأوضح بن فهد أن الجيل الجديد من الكتاب والقرّاء يميل بقوة إلى إعادة قراءة الماضي من زوايا إنسانية وسردية تجعل التاريخ أكثر قرباً من وجدان القارئ المعاصر، مبيناً أن الوقائع والأحداث ليست سوى «هيكل عظمي»، بينما تشكّل الحكاية والذاكرة الروح التي تعيد ضخ الحياة في ذلك الهيكل.
ولفت إلى أن الشباب اليوم لم يعودوا ينجذبون للسرديات الجافة أو التلقين المباشر، بل يبحثون عن التجربة والقصة التي تثير الشغف وتلامس الواقع.
مشدداً على أن تقديم التاريخ من خلال أدب الرحلة والاقتراب الإنساني يحوّله من مادة دراسية ثقيلة تُقرأ لأجل الامتحانات، إلى حوار حيّ ومستمر يربط الإنسان بهويته ويجيب عن تساؤلاته اليومية.
وحول المعادلة بين الدقة التاريخية والجماليات السردية، بيّن الكاتب الشاب أن الشغف بالبحث عن جذور أسئلة الحاضر هو المحرك الأساسي للعودة إلى الماضي.
مضيفاً أن تحقيق التوازن بين الأمرين يكمن في الاحترام الصارم للمصادر والوثائق كركيزة لا مساس بها، مع امتلاك الشجاعة لإعادة تقديمها بأسلوب أدبي رشيق وسرد معاصر، ملخّصاً طرحه بالالتزام بالحقائق كما هي وروايتها بلغة يفهمها الجيل الحالي ويشعر بها دون تكلّف.
السيد رمضان – البيان



