أخبار مسرحية

«غياهب الروح».. عندما يتآكل الوعى والضمير فى رحى الخوف

استطاع العرض المسرحى الإماراتى «غياهب الروح» لجمعية كلباء للفنون الشعبية والمسرح، أن يقتنص جائزة أفضل عرض، متكامل ضمن مسار العروض الكبرى لمهرجان ظفار الدولى للمسرح برئاسة عمار بن عوبد.. العرض الذى ألفه عبدالله إسماعيل وأخرجه عبدالرحمن الملا خاض رحلة ثلاثية بين مهرجانات كبرى حصد من كل منها عدة جوائز، بدءا من أيام الشارقة المسرحية، ومرورا بمهرجان القاهرة التجريبى ووصولا إلى ظفار التى نال فيها جوائز أفضل مؤلف وأفضل إخراج وافضل ديكور لعيسى مراد.

 

تدور أحداث العرض فى قرية صغيرة يتفشى فيها الجهل وتسيطر عليها الخرافة والمعتقدات الغيبية التى يقع فى أسرها اهل القرية بالكامل، بفعل أصحاب تلك القوى الذين يستفيدون من انعدام الوعى فى عقول اهل القرية، ويستغلون ضعف نفوسهم فى تضخيم مشاعر الخوف بداخلهم من التمرد على تلك الغيبيات، ونرى تأثير هذه الحالة على أسرة سهاد وزوجها، فالرجل مستسلم بكامل عقله ومشاعره لتلك الغيبيات، بينما زوجته سهاد ترفض هذا الأمر وتتمرد عليه فتصبح شوكة فى حلق أصحاب المصالح، وهنا يتم خطف ابنتها لقتلها وتقديمها كقربان للقوى الغيبية، وهنا ينشأ الصراع فى غياب تام لعقل الزوج.

طرح المؤلف عبدالله إسماعيل فى نصه كثيرا من الأفكار الفلسفية التى تقوم على فكرة انعدام القدرة على الفعل أمام سيطرة الخوف على العقل والوعى معا، ولجأ إلى تلك المعالجة الدرامية التى جعلت من الشخصيات أفكارا محملة بالدلالات تمشى على الأرض، لذلك فكك شخصية سهاد إلى سهاد المتمردة على الجهل والخوف، ولعبتها عبير الجسمى بجرأة مدفوعة بغريزة الأمومة بحثا عن الخلاص، والأم التى تعانى مرارة الفقد وتدفع سهاد دفعا نحو الانتقام وجسدتها خليدة شيبانى بأداء قوى عاصف يشحذ الهمم، وجاءت أغلب الحوارات بينهما فى صيغة مونولوجات طويلة تكشف وتسقط الأقنعة عن وجوه الزيف فى المجتمع، بينما جاء الزوج كشخص ضعيف مستسلم بلا دافع يحرر عقله من الوهم، وقد يبرر ذلك اختيار اسم سهاد تحديدا باعتبارها بلا قدرة على الراحة حتى تحرر القرية من جهلها، وهنا ليس هناك أدل من فكرة الرحى التى تدور فتطحن معها الوعي.

فى المقابل بنى المخرج السينوجراف عبدالرحمن الملا رؤيته البصرية على تصميم معدنى لسياج حديدى يشبه قبة نصف قروية مثبتة على عجلات لسهولة الحركة من تصميم عيسى مراد، لتدور الأحداث فى فلك تلك القبة التى كانت بمثابة سجن نفسى يحاصر أهل القرية، فكانت هذه القبة هى الفكرة التى عمقت من دلالات العرض ومنحته أبعادا بالغة التأثير، بفضل قدرتها على الحركة بمرونة شديدة رغم ضخامتها وكأنها بالفعل رحى تطحن كل من يقف فى طريقها، بينما تلعب على دلالات السيطرة والسجن والغطاء الذى يخفى تحته غليان مجتمع كامن جاهز للانفجار فى اى لحظة، وبينما تدور الرحى لا يوقفها سوى صلابة سهاد ورغبتها فى ان تدور الرحى على الباغى واصحاب القوى الغيبية، بعد أن صار فقد الابنة الرضيعة دافعا لتحويل مأساة سهاد الشخصية إلى مأساة مجتمع يقبع تحت وطأة هذا الاستغلال العقلي، ولذلك استندت رؤية المخرج ايضا إلى طغيان الظلام على النور، الذى يحاول ان يتسلل تدريجيا ليفرض سيطرته على هذه العتمة، مزاوجا بينها وبين المؤثرات الصوتية والموسيقى التى ترفع الشعور بالتوتر والصراع بين العقل والجهل.

عرض متميز يقف وراءه مؤلف واعد ومخرج متمكن وممثلون مخضرمون.

باسم صادق – الأهرام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!